🟠وفد السلطة «مُحبط» بعد روما…وخلافات بين الوفدين السياسي والعسكري!!

انتهت الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية ــ الإسرائيلية في روما إلى انسداد فعلي، ترك المسار التفاوضي أمام اختبار هو الأصعب منذ انطلاقه، وعاد وفد السلطة إلى بيروت من دون اتفاق على موعد مؤكّد للجولة الثامنة، ومن دون انتزاع أي تعهّد إسرائيلي بوقف إطلاق النار أو الحدّ من العمليات العسكرية. وكما في كل مرة، تسرّب أوساط رئيس الجمهورية جوزيف عون أن لا خيار سوى المفاوضات، تعود نفسها لتقول إنها لن تقبل الدخول إلى القاعة قبل الحصول على ضمانات بنتائج كبيرة، لكنها أيضاً، سرعان ما تخضع للضغوط الأميركية وتدخل في مفاوضات لا أمل منها بشيء.
وبينما وافق السفير سيمون كرم قبل ثلاثة أسابيع، على أن لا يترك ملف التفاوض حتى لا تظهر استقالته كضربة للمسار، فهو عاد بعد اجتماع روما الأخير، ليلوّح بالاستقالة، قائلاً: هذه المرة، لا أقبل المشاركة في أي جولة ما لم نحصل مُسبقاً على التزام بتنازلات إسرائيلية جدّية في ملف الانسحاب والمناطق التجريبية، قبل أن ينتقل إلى ما يعتبره الأميركون «طلباً معقولاً» وهو أن تتوقّف إسرائيل عن عمليات الهدم في القرى المُحتلة، والبحث في صفقة تخصّ الأسرى.
وبشأن جولة المفاوضات التي جرت في روما، فقد علمت «الأخبار» من مصادر مطّلعة أن الجانب الأميركي كان قد أبلغ لبنان مُسبقاً بأن إسرائيل لا تريد الدخول في بحث من أجل خلق منطقة تجريبية ثانية، وأنها تريد التركيز على آليات التنسيق المباشر مع الجيش اللبناني والاتفاق على اسم الجهة الثالثة التي يُفترض بها «التحقّق من أن الجيش اللبناني يتلزم بتنفيذ ما يتوجّب عليه في المنطقة الأولى».
وفي هذه النقطة برز بقوة الخلاف بين الوفدين السياسي والعسكري، بعدما طلب بحث كرم في أن يتم الإعلان عن قرى ليست تحت الاحتلال كمساحة إضافية للمنطقة التجريبية، قبل أن يبلغه الوفد العسكري بأن ما يطرحه لا يتعلّق بحقيقة الوضع على الأرض، وأن القرى المُشار إليها (فرون، الغندورية، صريفا، قلاوية وبرج قلاوية) هي قرى مُحرّرة، وأن العدو يريد من الجيش القيام بمهمة ضد أهداف مجهولة في المنطقة، وهو لا يريد أن ينسحب من أي قرية مُحتلة، علماً أن الوفد العسكري حمل معه الخرائط التي تحدّد بالضبط مواقع قوات الاحتلال، فيما أصرّت إسرائيل على أنها تحتفظ بمنطقة أمنية لحماية المنطقة المحتلة.
لكنّ الفضيحة كانت في ملف الأسرى، حيث تبيّن أن وفد السلطة ليس مُزوَّداً بأي تفاصيل دقيقة عن الأسرى والمعتقلين اللبنانيين في سجون العدو، فيما حاول وفد العدو الحديث عن نوعين من الأسرى، صنف اعتبره من مقاتلي حزب الله ولا يمكن البحث في وضعهم، وصنف آخر، اعتبرهم من المدنيين الذين شكّلوا خطراً على عمل القوات الإسرائيلية، ما تطلّب اعتقالهم. ومع أن العدو كرّر رفضه بأن يقوم الصليب الأحمر الدولي بزيارة الأسرى والتعرّف إليهم، إلا أن المفاجأة كانت عندما طرح مندوب العدو، عرضاً لما أسماه «صفقة تبادل الأسرى المدنيين»، وعند النقاش، تطرّق الوفد الإسرائيلي إلى الوجود اليهودي التاريخي في لبنان، وقال إن هناك يهوداً غادروا لبنان قبل سنوات طويلة وهم الآن من مواطني كيان الاحتلال، وإنهم يريدون نقل رفات أقاربهم من مقابر اليهود في لبنان إلى مقابر في فلسطين المحتلة. وقدّم الإسرائيليون إشارات مباشرة إلى عدد غير قليل من الرفات في مقابر اليهود في بيروت وصيدا.
وفي السياق نفسه، أعلنت إسرائيل رفضها تواجد أي قوة أوروبية من قوات «اليونيفل» في جنوب لبنان، وأنها ترفض أن تكون إيطاليا هي الجهة الثالثة بعدما رفضت إسبانيا وفرنسا أيضاً. ولاحقاً، قال المسؤولون في كيان الاحتلال إنهم يقترحون وصول قوة من سويسرا لتولّي المهمة مع الإشارة إلى أن تل أبيب بحثت الأمر مع المسؤولين في سويسرا، وهناك استعداد أوّلي للتعامل إيجاباً مع الطرح.
بطولات عون الوهمية
وبمعزل عن البطولات الوهمية لفريق عون ومساعده الحكومي نواف سلام، فإن أي خطوة من قبلهم تحتاج إلى أرضية تمنع غضب الأميركيين وغضب السعوديين أيضاً، خصوصاً بعدما تبيّن أن المندوب السامي السعودي يزيد بن فرحان، يبدو أكثر تشدّداً من الآخرين في ضرورة استمرار مسار المفاوضات، مكرّراً تحذيره جهات لبنانية، بأن على المسؤولين معرفة أن موازين القوة ليست في مصلحتهم، وأن أي مغامرة بالمفاوضات تعني إعادة تسليم لبنان إلى إيران.
وقالت مصادر لـ«الأخبار» إن التسريبات الإعلامية تعود إلى استياء الرئيس جوزيف عون الذي ظنّ أن زيارته إلى واشنطن ولقاءه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب سيحقّقان له شيئاً أو يدفعان إسرائيل الى تقديم تنازلات لكنها رفضت توسيع المناطق التجريبية. وحتى المحيطون به أو المؤيّدون لمسار التفاوض تراجعت سرديتهم عن أنها تعود بمنفعة.
ويُنتظر أن يصل إلى لبنان اليوم الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد آتياً من كيان الاحتلال حيث التقى رئيس الأركان ومسؤولين عسكريين، إذ سيكون أمامه خلال محادثاته مع قيادة الجيش اللبناني مجموعة ملفات تتعلق بالمفاوضات، البحث في المنطقة التجريبية الثانية التي ترفضها إسرائيل، التوصل إلى وقف فعلي للأعمال القتالية، ومناقشة مستقبل القوة الدولية التي يمكن أن تحلّ محل «اليونيفل».
يأتي ذلك أيضاً في ظل تباين مستمر بين الوفدين السياسي والعسكري اللبنانيَّيْن خلال المفاوضات، إذ تعرّض الوفد السياسي لانتقادات بسبب طريقة إدارة الملف، فيما كان الوفد العسكري، بحسب المُعطيات المتداولة، أكثر تشدّداً في بعض النقاط واضطر في مناسبات إلى الانسحاب احتجاجاً بينما استمر المسار السياسي في التفاوض. أمّا السفير كرم، الذي يكرر انتقاداته للسفيرة ندى معوض، فهو حرص بعد عودته من روما على التواصل مع إعلاميين، وإبلاغهم بأن «ما تحقّق يمثّل الحد الأقصى الممكن في ظل الظروف القائمة، وهناك شكوك في قدرة واشنطن على لعب دور الوسيط المتوازن، في وقت يرى فيه لبنان أن إسرائيل هي الطرف الذي يواصل الاعتداءات ورفض تقديم التنازلات».
في الوقت الذي كان فيه المسار السياسي يتعثّر في روما، كانت الوقائع الميدانية في الجنوب تسير في الاتجاه المعاكس تماماً. فقد شهدت مناطق واسعة من الجنوب ليلاً ونهاراً تفجيرات عنيفة وقصفاً مدفعياً وتحليقاً مُكثّفاً للمُسيّرات، فيما لم تعد العمليات مقتصرة على المنطقة الحدودية، بل أخذت تمتد باتجاه مناطق أعمق في الجنوب. وكانت زوطر الشرقية من أبرز نقاط التصعيد، مع استمرار الجيش الإسرائيلي في عمليات الهدم والتجريف، في وقت تحرّكت فيه قوات إسرائيلية في اتجاه زوطر الغربية وأقامت ساتراً ترابياً جديداً.
في موازاة العمليات العسكرية، بدأت تظهر رواية إسرائيلية موازية حول زوطر الغربية، تسعى إلى ربط عودة النشاط المدني إلى البلدة بإعادة بناء نفوذ «حزب الله». وفي هذا السياق، استند مركز «ألما» الإسرائيلي إلى دخول «الهيئة الصحية الإسلامية» وجمعية «وتعاونوا» الخيرية إلى البلدة بعد انتشار الجيش اللبناني، معتبراً أن الأنشطة الاجتماعية والإغاثية التي رافقت عودة السكان يمكن أن تكون مؤشراً إلى استعادة الحزب نفوذَه. وتشير الرواية الإسرائيلية إلى إقامة مركز مؤقّت للمجلس البلدي وتقديم الطعام والمساعدات للعائدين، إضافة إلى التعاون مع الجيش اللبناني والدفاع المدني في تنظيف البلدة وإعادة تأهيلها.
الاخبار


