هل تحول الاتفاق التجريبي إلى مأزق وكيف ستتصرف الحكومة؟

أعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون عن إحراز تقدم إيجابي في مفاوضات روما الأمنية بين بلاده وإسرائيل، شمل ملفي الحدود وتبادل الأسرى، في وقت كشفت فيه مصادر لبنانية  عن تعثر موازٍ في حسم ملف “المناطق النموذجية للترتيبات الأمنية” ووقف إطلاق النار، وسط مخاوف من تحول بلدات المرحلة الأولى (فرون وصريفا وزوطر الغربية) إلى فخ تفاوضي صُمم لإيقاع الدولة اللبنانية في شروط أمنية تعجيزية.

جاءت هذه المواقف غداة اختتام الجولة السابعة من المفاوضات التي استمرت ثلاثة أيام برعاية أمريكية، لتعكس مشهداً تفاوضياً مركباً يراوح بين الاختراقات الإجرائية والمآزق الإستراتيجية المفتوحة على الجبهة الجنوبية.

وتكشف المصادر اللبنانية التي واكبت كواليس اللقاءات المغلقة في العاصمة الإيطالية، أن التفاؤل الرسمي الذي أبداه الرئيس عون خلال جلسة مجلس الوزراء، ارتكز على تبادل الوفدين لقوائم الأسرى الأولية وبحث ترتيبات قانونية جديدة للحدود؛ غير أن الوفد اللبناني واجه في المقابل حائطاً مسدوداً عندما حاول الدفع باتجاه إقرار “مرحلة اختبارية ثانية” مثل بنت جبيل والخيام.

وتؤكد المصادر في تصريح لـ”إرم نيوز”، أن المطلب اللبناني بهذا الخصوص اصطدم  بفيتو أمريكي وإسرائيلي عبّر عنه سفير واشنطن في بيروت ميشال عيسى عبر رسائل حاسمة، اشترطت التمهل وعدم الاستعجال بالانتقال بين المراحل قبل إنجاح التجربة الأولى  وتأمين شروط الأمان المطلقة، ما يعني بالمفهوم الأمريكي إلزام الجيش اللبناني بنزع سلاح  حزب الله في تلك البقع كشرط مسبق لأي تراجع إسرائيلي جديد.

 وتشير المصادر إلى أن الإعلان الرسمي عن تقدم في ملفي الأسرى والحدود يمثل الجانب الإجرائي الذي تسعى بيروت لاستثماره دبلوماسياً، لكن هذه المصادر تفصل تماماً بين هذا الاختراق وبين معضلة “المناطق التجريبية” التي باتت تشكل معادلة صفرية معقدة.

وتوضح المصادر ذاتها أن عملية اختيار بلدات فرون وصريفا وأطراف زوطر الغربية لإدراجها في اتفاق الإطار (الموقع في 26 يونيو الماضي) كانت مناورة إسرائيلية مدروسة ومخططاً لها بعناية.

وتظهر المعطيات الميدانية أن هذه البلدات لم تكن تحتل فيها القوات الإسرائيلية نقاط تموضع عسكري ثابت أو دائم أثناء عمليات التوغل البري، بل كانت بقعاً ساقطة تحت السيطرة النارية وقذائف المدفعية، ما يعني أن إسرائيل قدمت تراجعاً صورياً ووهمياً لانتزاع مكاسب أمنية وسياسية كبرى، وتأمين ذريعة جاهزة لإعلان فشل الآلية مستقبلاً وتحميل بيروت المسؤولية الكاملة عن تبعات هذا الإخفاق.

ويرى المحلل السياسي ميشيل نجم، أن المفهوم الأمريكي والإسرائيلي لـ”نجاح مرحلة المناطق التجريبية” يرتكز على معادلة صفرية غير قابلة للتطبيق؛ حيث يُطالب الجيش اللبناني بتمشيط بلدات المرحلة الأولى وتفكيك أي بنى تحتية أو مظاهر عسكرية لحزب الله، في وقت تدرك فيه تل أبيب سلفاً عدم وجود قدرة  لدى لبنان الرسمي للصدام مع حزب الله. 

ويوضح في تصريح لـ”إرم نيوز”، أن الفخ يكمن في أن القوات الإسرائيلية لم تكن متمركزة أو محتلة فعلياً لعمق هذه البلدات (مثل بلدة فرون التي لم تكن محتلة أصلاً وتعتبر خارج الخط الأصفر).

ويقول إن “التحدي الأكبر والاختبار الحقيقي لجدية إسرائيل ظهر عندما طالب الجانب اللبناني الانتقال إلى مناطق حدودية محتلة عسكرياً ومدمرة بالكامل، الأمر الذي رفضته  إسرائيل مطلقا خلال الجولة الأخيرة من مفاوضات روما”.

 واعتبر أن اختيار بلدات فرون وصريفا وأطراف زوطر الغربية كـ”نموذج” يهدف إلى ربط المساعدات الدولية، وإعادة الإعمار، والانسحابات اللاحقة، بـإجبار الجيش اللبناني على تفتيش المنازل ونزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها التحتية تحت رقابة دولية.

وكان السفير والمستشار الدبلوماسي سيمون كرم رئيس الوفد اللبناني في المفاوضات  حذر الدولة اللبنانية مسبقاً من هذا المسار ونصح بـعدم المشاركة في جولات روما؛ لقناعته بأن إسرائيل تستخدم هذه الآلية كأداة للمماطلة، وهدر الوقت، وكسب الشرعية الدولية لاستكمال تجريف وتفجير بلدات الحافة الحدودية.

وتخلص القراءة الشاملة لحصيلة جولة روما السابعة إلى أن الدبلوماسية اللبنانية برئاسة عون، وإن نجحت في تحريك ملفات إنسانية وحدودية واعدة بدعم من إدارة ترامب التي وعدت عبر الجنرال جوزيف كليرفيلد بمعالجة عقدة وقف النار والمناطق التجريبية، إلا أنها باتت محاصرة بضغوط قاسية؛ فالقبول بالشروط الأمنية المشتركة لتوسيع الانسحابات يضع مؤسسات الدولة أمام تحديات داخلية بالغة الحساسية.

بينما تمنح المماطلة الإسرائيلية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الحجة القانونية للادعاء أمام المجتمع الدولي بعجز بيروت عن الوفاء بالتزاماتها، وهو ما يشرعن استمرار العمليات العسكرية وقضم الأراضي، ليبقى لبنان معلقاً بين آمال التقدم الدبلوماسي الرسمي ومخاطر الاستنزاف الميداني المستمر على الحافة الحدودية.

erem news

مقالات ذات صلة