🟠«قوّة لإحداث الاضطراب»: إيران تخطّط لحرب بوكلائها!

أدّى هجوم بطائرة مسيّرة إلى تصاعد سحب الدخان من منشأة نفطية سعودية هي الأكبر من نوعها في العالم. واشتعلت النيران في ناقلتَي غاز في ميناء مصري بالقرب من قناة السويس. وتصاعدت كرات اللهب فوق الأردن، بينما كانت الصواريخ تحلّق باتجاه قاعدة تضمّ أفراداً من القوات الأميركية. لقد أحاطت الحرب بدائرة آخذة في الاتساع من الأهداف في مختلف أنحاء الشرق الأوسط خلال الأيام الأخيرة، في وقت سعت فيه إيران والميليشيات التابعة لها إلى ضرب حلفاء الولايات المتحدة، وإرباك الأسواق العالمية، ودفع واشنطن إلى وقف حملتها ضدّ الجمهورية الإسلامية.

وتشكّل الهجمات جزءاً ممّا وصفه مسؤولان إيرانيان بارزان، بأنّه خطة تدريجية، وُضعت سراً خلال وقف إطلاق نار وجيز، تقضي باستخدام حلفاء إيران لتصعيد الهجمات إذا كثّفت الولايات المتحدة هجماتها، وأنّ الهدف كان جعل الحرب مكلفة قدر الإمكان للرئيس ترامب.

حتى إنّ مهدي محمدي، وهو مستشار بارز لكبير المفاوضين الإيرانيّين، تباهى عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالاستراتيجية مع القوات الوكيلة، المعروفة في المنطقة باسم «محور المقاومة»: «قواعد الصراع تتغيَّر ويُعاد رسمها، ونحن نخلق ظروفاً ومنصات جديدة في الحرب. الجبهات تتكاثر من اتجاهات مختلفة في المنطقة؛ وهي منسّقة بالطبع، لكنّها تعمل بشكل مستقل. إنّ محوراً جديداً للمقاومة يبرز مع لاعبين جدد».

الاستقلالية والارتباط

منذ عام 2023، تلقّت إيران وحلفاؤها ضربات قوية عندما شنّت حركة «حماس» هجوماً على إسرائيل. غير أنّ الأحداث الأخيرة أظهرت قدرتهم على إعادة تنظيم صفوفهم، وإثارة الفوضى، ومنح إيران أوراق ضغط. ومع ذلك، لا يعتبر المحلّلون القوات الوكيلة، التي لكل منها أجندتها الخاصة، مجرّد دمى في يد طهران، على رغم من أنّ مستوى التنسيق والسيطرة الإيرانيَّين يختلف من جماعة إلى أخرى.

على سبيل المثال، يُنظر إلى الحوثيِّين في اليمن على أنّهم الأكثر استقلالية بين الجماعات التي يتكوّن منها هذا التحالف. ويتولّى «حزب الله» التنسيق بصورة هي الأقرب مع إيران، في حين تقع الميليشيات الشيعية في العراق في موقع وسطي من ناحية مدى استعدادها للعمل كذراع مباشرة لإيران.

لكنّ الجماعات لا تزال تجد أرضية مشتركة في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. ووفقاً للمسؤولَين المطلعَين على التخطيط بصفتهما عضوَين في الحرس الثوري الإسلامي، فقد وضع جنرالات إيرانيّون، خلال وقف إطلاق النار القصير الأمد، استراتيجيات سراً مع قادة الميليشيات الوكيلة بشأن كيفية توسيع الحرب ورفع كلفتها على واشنطن. وأضاف المسؤولان، أنّ كبار قادة «فيلق القدس»، الذراع الخارجية للحرس التي ترعى الميليشيات الوكيلة، أجروا مؤتمرات عبر الفيديو مع قادة من «حزب الله» والحوثيّين والحشد الشعبي. ووفقاً للمسؤولَين، يعمل قادة ومستشارو «فيلق القدس» عن كثب مع الميليشيات على الأرض. وقد حاول الحرس ملء الفراغ في صفوف «حزب الله»، التي أُبيد جزء كبير منها جراء الحرب مع إسرائيل، فيما يعمل في العراق داخل قواعد تديرها ميليشيات شيعية.

الأربعاء، استهدفت موجة من الغارات الجوية الأميركية – السعودية الميليشيات العراقية، ونشرت وسائل الإعلام الإيرانية صوراً لـ4 رجال قُتلوا في الهجمات، كانوا جميعاً يرتدون الزي الزيتوني المميّز لفيلق القدس، فيما لُفّت توابيتهم بالعلم الإيراني.

قطع الشطرنج

ويعتقد مهدي رحمتي، المحلِّل الإيراني والخبير في الميليشيات الإقليمية: «نلعب لعبة شطرنج كبرى؛ الميليشيات هي قطع الشطرنج الإيرانية التي ينبغي تحريكها بحكمة في الوقت والمكان المناسبَين لتحقيق أقصى تأثير».

ويرى محلّلون أنّه، باستثناء إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على القواعد العسكرية التي تضمّ قوات أميركية، جرى ضبط الهجمات لتجنّب المواجهات المباشرة مع القوات الأميركية أو الإسرائيلية، ممّا قد يؤدي إلى ردّ انتقامي قاسٍ ضدّ إيران. وأدّى إشعال حريق في المنشأة النفطية السعودية إلى جرّ المملكة إلى الحرب، لكنّ الردّ السعودي استهدف الميليشيات العراقية المتهمة بتنفيذ الهجوم، بدلاً من إيران.

ويعتقد محلّلون، أنّ إيران حشدت قواتها الوكيلة لأسباب متنوّعة. وفي المقام الأول، تهدف الاستراتيجية إلى الحدّ من صادرات النفط من المنطقة، ما يؤدّي إلى رفع أسعار الغاز في الولايات المتحدة قبيل انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وتقليص الإيرادات التي يحصل عليها حلفاء واشنطن العرب.

إيران وجيرانها

ويؤكّد محلّلون، أنّ طهران تدرك أنّ الضرر الاقتصادي الشديد قد يجعل جيرانها أكثر استعداداً لتقبّل طموح إيران في السيطرة على حركة الملاحة بأكملها عبر مضيق هرمز. ويشرح أفشون أوستوفار، مؤلف كتاب عن تاريخ الشرق الأوسط في القرن الـ21: «تعتقد إيران أنّ جيرانها معرَّضون للخطر. إنّهم يحاولون أساساً لَيّ ذراع السعوديّين وانتزاع بعض التنازلات منهم». ومع تعطّل صادراتها النفطية إلى حدّ كبير في مضيق هرمز، باتت السعودية تنقل جزءاً كبيراً من نفطها عبر خط أنابيب يمتد عبر المملكة. ثم يُصدَّر النفط من ميناء على البحر الأحمر، وعبر باب المندب. 

وأعلن الحوثيون، الذين التزموا إلى حدّ كبير جانب الصمت، بعدما هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران، عن حصار بحري على الشحن السعودي في 20 تموز، وبدأوا هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة لفرضه. ثم أصبح طريق آخر إلى آسيا، أطول بكثير، يمر عبر قناة السويس والبحر المتوسط، مهدّداً بعدما استهدفت طائرات مسيّرة مجهولة ناقلات في مصر، فاتحةً جبهة جديدة.

ويؤكّد فراس مقصد، المدير الإداري لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في «مجموعة أوراسيا» الاستشارية المتخصِّصة في المخاطر: «إنّهم ينسّقون مع إيران، لكنّهم لا يتصرّفون بالضرورة نيابة عن إيران. إنّه تصعيد محسوب، وهو جزء من هذه المفاوضات بالنار الجارية بين الحوثيّين والسعوديّين».

تفتيت الوكلاء

ويعتقد محلّلون، أنّ سبباً آخر يدفع حلفاء إيران إلى شن الهجمات، يرتبط أكثر بالجانب الأيديولوجي. فقد طوَّرت إيران شبكة وكلائها بهدفَين رئيسيَّين: المساعدة في إخراج الجيش الأميركي من المنطقة وإلحاق الضرر بإسرائيل، واستخدام الميليشيات كدرع في مواجهة الهجمات على إيران نفسها.

وأوضحت لينا خطيب، الباحثة في مجموعة «تشاتام هاوس» البحثية في لندن: «يشارك وكلاء إيران في الحرب لأنّهم، إلى جانب إيران، يحاولون بيأس التمسّك بمكانتهم المعلنة كقوى ثورية في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل». وأضافت أنّه في غياب هدفهم الأصلي، تحوَّلت الميليشيات بدلاً من ذلك إلى «قوّة لإحداث الاضطراب».

ويشعر «حزب الله» بتهديد جديد جراء «صيغة إطار» إسرائيلي – لبناني، توسطت فيه واشنطن في حزيران، ويتضمَّن هدفاً غير مرجّح يتمثل في نزع سلاحه.

وحاول الحزب إعادة بناء صفوفه بعد الحرب مع إسرائيل، وحاولت إيران دعم تلك الجهود، فنشرت قادة من الحرس الثوري للعمل مباشرة في مجلس قيادة «حزب الله»، وفقاً لمسؤولين حكوميّين لبنانيّين ومحللين. وأعرب مسؤولون لبنانيّون كبار عن دهشتهم، عندما تبيَّن أنّ قادة إيرانيّين كانوا من السكان المقيمين منذ فترة طويلة في مبانٍ هاجمتها إسرائيل بعيداً من معاقل «حزب الله» التقليدية. وأقرّ مقصد: «إحدى العواقب غير المقصودة لتدمير قيادة «حزب الله» أو إضعافها هي أنّ الحرس الثوري الإيراني بات الآن أكثر قدرة على السيطرة على «حزب الله» وتحرُّكاته».

وترى رندا سليم، رئيسة برنامج الشرق الأوسط في «مركز ستيمسون» في واشنطن: «إنّ إطلاق «حزب الله» والميليشيات العراقية هو محاولة من إيران لإحباط مثل هذه الجهود الأميركية. إنّهم يرَون أنّ بصمتهم آخذة في التقلّص، ويريدون إعادة تأكيد وجودهم ودورهم الإقليمي»، لكن هناك وحدة في الهدف – وشعوراً مشتركاً بأنّ ترامب وحلفاءه العرب متردّدون في خوض الحرب، ما يترك أمام طهران ووكلائها فرصة. ويؤكّد أوستوفار: «إنّهم يرون فرصة، يشمّون رائحة الدم في المياه، ويدفعون بأفضليّتهم إلى أقصى حدّ».

فرناز فصيحي ونيل مكفاركر- نيويورك تايمز

مقالات ذات صلة