🟠انفراجة كبيرة جدّاً وحاسمة: القرار الظّنّيّ بانفجار مرفأ بيروت في تشرين!

بعد أسابيع قليلة من إحياء الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت، في 4 آب، ستشهد القضيّة منعطفاً حاسماً في مسارها. إذ يشير مصدر موثوق لـ “أساس” أنّ المحامي العامّ التمييزيّ القاضي محمّد صعب يفترض أن يقدّم مطالعته في النصف الثاني من أيلول المقبل، بعد انتهاء العطلة القضائيّة. ستؤسّس هذه المطالعة لانفراجة كبيرة جدّاً وحاسمة في الملفّ، قد تدفع المحقّق العدليّ طارق البيطار إلى إصدار قراره الظنّيّ في غضون أسبوعين أو ثلاثة، تمهيداً لإحالة الملفّ إلى المجلس العدليّ.

لكثير من الأسباب ستكون المطالعة بالأساس التي سيصدرها القاضي صعب استثنائيّة لناحية المضمون، والتداعيات. فالنيابة العامّة، التي تمثّل الحقّ العامّ في القضيّة، تعدّ مطالعة هي أشبه بالبناء (structure)، الشبيه بالقرار الاتّهاميّ، مع فارق أنّ النيابة العامّة، خصم المدّعى عليهم، تحدّد مطالبها، أو تطلب في المطالعة منع المحاكمة أو الاتّهام، وتعبّر عن وجهة نظر معدّها، بينما المحقّق العدليّ يصدر القرار الظنّيّ الذي بموجبه “يقرّر” الادّعاء والإحالة إلى المجلس العدليّ أو عدمها. في بعض الحالات، يمكن أن تكون وجهات النظر متطابقة بين النيابة العامّة والمحقّق العدليّ.

يتوقّع كثيرون أن يكون المسار المقبل بعد إنجاز المطالعة، ثمّ إصدار القرار الظنّيّ، مُنصِفاً وعادلاً إن للضحايا وأهالي الشهداء، أو لمن لحقهم الظلم والتعسّف في الملفّ. وفي هذا السلوك القضائيّ إحقاق حقيقيّ للعدالة وإنصاف للحقيقة.

لا عطلة قضائيّة

بعد تفويض مدّعي عامّ التمييز القاضي أحمد رامي الحاجّ القاضي صعب توقيع المطالعة، في 9 حزيران، بدأ الأخير عمله المركّز، الذي يكاد يصل الليل بالنهار، ولا تشمله العطلة القضائيّة. تسلّم صعب ملفّاً هائلاً مؤلّفاً من المحضر التأسيسيّ، والتحقيقات الأوّليّة للأجهزة الأمنيّة والمباحث الجنائيّة المركزيّة، وتحقيقات القاضي فادي صوّان، وتحقيقات البيطار، الأوسع بكثير، التي استمرّت على مدى نحو أربع سنوات. آلاف الأوراق من محاضر الاستماع إلى المدّعى عليهم، والشهود، والمشتبه فيهم، وأجوبة المتّهمين، وكمّ هائل من المستندات، والاستنابات، وتقارير الخبراء… وقد زوّده البيطار بـ usb (ناقل البيانات) مُشفّر يتضمّن كامل داتا الملفّ.

تجزم أوساط مطّلعة أنّ “القاضي صعب بدأ يكوّن صورة عامّة لجهة المسؤوليّات وتوصيف الأفعال المنسوبة إلى الأشخاص المعنيّين بالملفّ، ورسم مسار الرواية المدّعمة بالوقائع والتواريخ والشهادات”. في هذا السياق، علم “أساس” أنّ صعب سيتناول في المطالعة مسؤوليّة شخصيّة بارزة، وعلى مستوى عالٍ، لم يتناولها التحقيق سابقاً، ولم يتمّ الادّعاء عليها.

70 مدّعى عليهم

بلغ عدد المدّعى عليهم في انفجار مرفأ بيروت نحو 70 شخصاً. وفي 25 كانون الثاني سنة 2023 قرّر مدّعي عامّ التمييز السابق غسان عويدات إطلاق سراح جميع الموقوفين في القضيّة، إثر كباش قاسٍ بينه وبين البيطار، وبعد يومين من إعلان الأخير استئناف تحقيقاته في القضيّة بعد 13 شهراً على تعليقها بسبب دعاوى الردّ بحقّه.

قضائيّاً، بعد تسلّم البيطار مطالعة القاضي صعب، سيكون أمامه أكثر من خيار:

ـ المبادرة بعد وقت قصير من تسلّم المطالعة إلى إصدار القرار الاتّهاميّ. وعندها من سيُتّهَم بجناية، تصدر تلقائيّاً مذكّرات إلقاء قبض بحقّه، فيما جنحة الإهمال أو التقصير قد لا تستدعي هذا الإجراء القضائيّ بالضرورة. وفي قراره الظنّيّ يذكر البيطار في حال موافقته على ما يرد في المطالعة، “وفقاً لمطالعة النيابة العامّة”، وفي حال الاختلاف يقول، “خلافاً للمطالعة”، مع تسليم أوساط قضائيّة بأنّ “القرار الظنّيّ يذهب بقوّة أكبر إلى المجلس العدليّ عند توافق الطرفين”.

ـ قد يرتئي البيطار، في ضوء مطالعة صعب أو بغضّ النظر عنها، استجواب أشخاص جدد، أو الاستماع مجدّداً إلى شهود، أو القيام بأيّ إجراء تحقيقيّ آخر. عندها يُفتح التحقيق مجدّداً، ويتّخذ البيطار الإجراءات التي يراها مناسبة، ويختم تحقيقاته، ويُرسِلها مجدّداً إلى النيابة العامّة. في هذه الحالة، لا يتطلّب إعداد رأي أو ملاحظات القاضي صعب أكثر من أيّام معدودة فقط، لأنّ المطالعة مُنجَزة، وهو يقدّم مطالعة مرتبطة بالإجراء التحقيقيّ الذي أخذه البيطار حصراً.

ـ يمكن للقاضي البيطار بعد تسلّم المطالعة أن يتّخذ إجراءات معيّنة كأن يصدر مذكّرات توقيف بحقّ بعض الأشخاص قبل إصدار قراره الاتّهاميّ، وتُنفّذ الاستنابات من قبل الأجهزة الأمنيّة، قبل أن يذهب الملفّ إلى المجلس العدليّ، مع العلم أنّ أغلبيّة من تمّ الادّعاء عليهم جرى الاستماع إليهم أكثر من مرّة، وذلك من خلال المراحل المتعدّدة التي شهدها الملفّ. ويقول مصدر قضائيّ لـ”أساس”: “المحقّق العدليّ يدّعي، والنيابة العامّة التمييزيّة تطلب الادّعاء، عند الشبهة الجدّيّة، وليس بالضرورة اليقين، لأنّ المحكمة هي التي تحكم باليقين”.

متى تنتهي مهمّة البيطار؟

حين يُصدِر المحقّق العدليّ قراره الاتّهاميّ تنتهي مهمّته. لكنّ النيابة العامّة التمييزيّة تبقى حاضرة في محاكمات المجلس العدليّ لتمثّل الحقّ العامّ، واستناداً إلى ذلك يُدافع القاضي صعب عن مطالعته، ويُكمّل المحاكمات حتّى صدور الحكم.

يقول مصدر قضائيّ واكب ملفّ المرفأ منذ سنوات: “النيابة العامّة خصم شريف للمدّعى عليهم، فأيّ شخص تثبت التحقيقات أنّ الشبهة زالت عنه كلّيّاً، أو الشبهات ليست بالجدّيّة الكافية، تطلب منع المحاكمة عنه، والعكس صحيح. والقرار النهائيّ سيكون للمحقّق العدليّ”.

الثّقل المعنويّ

قد تكون المطالعة التي تنجزها النيابة العامّة التمييزيّة إجراءً قضائيّاً روتينيّاً ضمن مسار أيّ ملفّ، لكنّ الأمر ليس نفسه أمام قضيّة وطنيّة بهذا الحجم، وأمام تفصيل قضائيّ مهمّ.

هنا، تتحدّث مصادر قضائيّة عن “ثقل معنويّ” لمعدّ المطالعة. فإضافة إلى وجود ما يُشبِه الإجماع داخل العدليّة على كفاءة ونظافة كفّ القاضي صعب، فإنّ الأخير كان تطرّق في موسوعة قضائيّة أعدّها إلى مسألة صلاحيّة محكمة التمييز في بتّ ردّ المحقّق العدليّ.

بعد عرض المسألة على “الهيئة العامّة لمحكمة التمييز”، بعدما استقرّ اجتهاد “المحكمة” على أن لا صلاحيّة لها وهي غير مُختصّة، تبنّت “الهيئة العامّة”، التي تضمّ رئيسها القاضي سهيل عبّود وكلّ رؤساء محاكم التمييز، رأي القاضي صعب بكلّ مندرجاته، المتعلّق بشكل أساسيّ باعتبار محكمة التمييز صاحبة اختصاص، والمحقّق العدليّ يَخضع لنظام الردّ. وهذا تفصيل أساسيّ يمنح معدّ المطالعة صدقيّة أكبر، وثقة بمضمون مطالعته.

يُذكر أنّه بعد ختم البيطار تحقيقاته في الملفّ نهاية آذار الماضي، وتكليف مدّعي عامّ التمييز القاضي جمال الحجّار، قبل إحالته إلى التقاعد، القاضي صعب تمثيل النيابة العامّة، حصل الأخير على تفويض بالتوقيع على المطالعة من مدّعي عامّ التمييز القاضي أحمد رامي الحجّار.

أصرّ صعب على ذلك بهدف “تحصين قناعته” القضائيّة، وترجمتها على الورق، من دون أخذ التوجيهات من أحد، وطلب العمل وحده على الملفّ حفاظاً على سرّيّة التحقيق. وفق هذا المسار، يعدّ صعب مطالعته، ويوقّعها ويرسلها إلى القاضي البيطار من دون أن يعرضها على أيّ طرف.

ثقة وتنسيق

يتحدّث مصدر مطّلع عن “الثقة والتنسيق بين القاضيين صعب والبيطار”، ويشير إلى أهمّية هذه المرحلة قبل الإحالة إلى المجلس العدلي، على أكثر من مستوى:

– هناك دول “مفتّحة عينها” على الملفّ وتنتظر أداء القضاء، وبعضها أوقف مسار تحقيقاته بانتظار القرار الظنّيّ، الذي ستتمّ ترجمته وإرساله إلى بعض الدول المعنيّة. يرى مطّلعون أنّها “فرصة دوليّة، وربّما تاريخيّة، لإبراز أهميّة القضاء وشفافيته في قضيّة العصر، بعيداً عن التسييس، كما طُبِعت التحقيقات في مرحلة معيّنة”. وفي الداخل، سيُشكّل مرحلة مفصليّة في تاريخ لبنان على المستوى القضائيّ والسياسيّ والإنسانيّ، لأنّها قضية رأي عامّ وتعرّضت لكثير من الاختلالات والتدخّلات السياسيّة، وعصفت بها رياح “الثورة” والمزايدات إلى حدّ حرف الملفّ عن مساره القضائيّ، وإدخاله في أتون تصفية الحسابات.

ـ ستكون هناك رواية كاملة لحقيقة انفجار المرفأ، من انطلاق الباخرة من مرفأ باتومي في جورجيا (على أن تكون وجهتها موزمبيق) ورسوّها في مرفأ بيروت في تشرين الثاني 2013، ثمّ الحجز القضائيّ عليها، وتفريغ أكياس نيترات الأمونيوم منها في تشرين الأوّل 2014، ونقلها إلى العنبر رقم 12، إلى لحظة الانفجار في 4 آب، مع تحديد المسؤوليّات الأمنيّة والعسكريّة والقضائيّة والإداريّة.

– يستعرض القاضي صعب مجموعة مبادئ، والمعايير الموحّدة، التي على أساسها سيُحدّد المسؤوليّات، بحيث سيعلم كلّ شخص معنيّ، إن كان مسؤولاً أو غير مسؤول، أيّ معايير تمّ تصنيفه وفقها بتثبيت الشبهة عليه أو إزالتها.

ملاك عقيل- اساس

مقالات ذات صلة