🟠الحرب الأميركية – الإيرانية تحدد مصير الجنوب…وإسلام آباد معلق إلى أجل غير محدد!

الحرب الأميركية – الإيرانية تحدد مصير الجنوب..بعيداً عن روما

 

من المفارقات الصعبة أن يذهب لبنان إلى جلسة مفاوضات جديدة مع إسرائيل من دون أن يكون متأملاً تجاوب إسرائيل مع مطالبه. تجري هذه الجولة بينما تعيش المنطقة حالة غليان على وقع تحذيرات أميركية لافتة لرعاياها بتجنب السفر إلى دول الشرق الأوسط. وإذا كان لبنان قد اعتاد أن توجه سفارة الولايات المتحدة فيه مثل هذه التحذيرات الروتينية، فإن المفارقة تكمن في صدورها في مصر للمرة الأولى، وكذلك في الدول الخليجية.

قد يكون غرض مثل هذه الرسائل التهويل، في ضوء التهديدات الأميركية بضرب إيران بقوة هذه المرة، وفق تعبير واشنطن، أو قد تكون جدية بحيث تسبق بالفعل ضربة أميركية – إسرائيلية لإيران، تنتظرها إسرائيل منذ مدة. وتتوقع إيران استمرار الضربات الأميركية المتقطعة، لكن ليس إلى حد العودة إلى الحرب بشكلها الواسع.

لكن عدم عودة الحرب بوتيرة عالية لا يلغي احتمالات أن تطول مدتها، وأن نكون أمام نموذج أقرب إلى نموذج أوكرانيا، في حرب استغرقت سنوات من دون أن نشهد لها نهاية.

وتسود الأوساط المطلعة على واقع الحرب الإيرانية – الأميركية قناعة بأن الحرب ستكون مديدة، نظراً لعدم وجود نقاط التقاء مشتركة بين الطرفين، ثم إنَّ هذه الحرب لن تنتهي برفع أي دولة الراية البيضاء والتسليم للدولة المقابلة. وتتحدث الأوساط، من داخل إيران، عن شعور الدولة بالتمكن والقوة في إدارة الحرب، إذ خرجت من موقع الدفاع إلى المبادرة، وباتت أكثر تأقلماً مع الواقع، وأن وضعها الاقتصادي لا يشكل عامل ضغط، رغم العقوبات التي كانت موجودة، ولا تزال، وأن العودة الأميركية إليها لم تكن أمراً جديداً.

وتنفي الأوساط كل ما يشاع عن أن القرار في إيران بيد الحرس الثوري الذي يضغط على الدولة، وتؤكد أنه جزء من التركيبة السياسية، وهو شريك في القرار، لكن القرار لا يتوقف عليه حصراً. وتقر بوجود تباينات بين الفريق المفاوض وبين النظام في إيران، بحيث يعتبر النظام أن هذا الفريق ذهب في المفاوضات أبعد من المسموح به، مؤكدةً مسألة الالتفاف الشعبي حول الدولة والنظام، بشكل يفوق ما كان عليه قبل اندلاع الحرب.

وفي ضوء التهديدات الأميركية لإيران باستهداف النفط الإيراني، فإن الأوساط تجزم بأن إيران اتخذت قراراً حاسماً باستهداف أي مكان تنطلق منه الصواريخ على أراضيها، وسترد على الضربات الأميركية بقوة وحزم، أياً كان مصدرها، وإن كانت من دول الخليج، على قاعدة: إما منع الاستهداف، أو تفهم الرد الإيراني على الضربات الأميركية.

ويعني ما سلف أن اتفاق إسلام آباد بات معلقاً إلى أجل غير محدد. وعطفاً على هذا الواقع، بات الوضع في جنوب لبنان عالقاً بين اتفاقين لا طائل منهما: اتفاق إيران مع واشنطن، الذي لم يعد قيد التطبيق، واتفاق الإطار الذي وقعه لبنان منفرداً مع إسرائيل، ولا تنوي إسرائيل تطبيقه إلا على طريقة المرحلة الأولى من المناطق التجريبية، وهذا ما يعني أن الانسحاب الإسرائيلي من لبنان سيتحقق بعد سنوات طويلة، وأن الجنوب سيبقى أسيراً للعدوان والتفجيرات، وقد تحول إلى منطقة محروقة، بينما يعجز لبنان عن تجميد المفاوضات، ولا يرى حزب الله فائدة من استمرار الحرب على جبهة الجنوب بما يؤمن ذريعة لانخراط إسرائيل في الحرب بشكل أقوى.

وهنا ثمة تأكيد إيراني على أن لبنان، حكماً، سيكون جزءاً أساسياً من أي اتفاق جديد مع الأميركيين. وقد يُفهم من أوساط الإيرانيين أن إيران لا تعول على اتفاق الإطار، الذي لن تلتزم به إسرائيل أصلاً، وتضع الوضع الراهن، ما بين إسلام آباد واتفاق الإطار، في خانة الصراع الحاصل بين المرشحين للرئاسة: نائب الرئيس جي دي فانس، المتحمس لمسار إسلام آباد، ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، عراب اتفاق الإطار، بينما يقف ترامب مراقباً للمسار الذي سيحقق النجاح في نهاية المطاف.

وانطلاقاً من هنا، يمكن الاستنتاج أن الواقع في جنوب لبنان بات معلقاً على حدّي اتفاقين: أحدهما مجمد إلى حين انتهاء الحرب الأميركية – الإيرانية، التي لا تبدو قريبة، والثاني لن يكون تطبيقه متيسراً، وقد تجد إسرائيل فرصتها لفرض هيمنتها على لبنان، وفرض واقع أمني على الحدود، وتحويل الجنوب إلى أرض محروقة.

وعلى مضض، يسلم حزب الله بالواقع جنوباً، ويقف بين بيئته التي تعاني الأمرّين جراء العدوان والتهجير، وبين الانخراط مجدداً في حرب تشكل بوابة عبور لرئيس وزراء إسرائيل إلى انتخاباته. لكن الأمور تبقى مرهونة بالتطورات، وقد كان التصدي للتقدم الإسرائيلي الذي حاول التقدم في علي الطاهر إشارة واضحة إلى أن حزب الله حاضر للمواجهة. لكن إذا توسعت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، فإن إيران قد لا تطلب من حزب الله الانخراط في الحرب، وتحصر المواجهة مع الولايات المتحدة، كما أنها سبق أن أبلغت أن لبنان سيكون ضمن أي اتفاق سيتم التوصل إليه، وإن بعد حين، وأن إعادة إعمار الجنوب ستكون قبل إعادة إعمار إيران.

لكن، إلى أن نصل إلى هذه المرحلة، سيبقى الجنوب تحت النار الإسرائيلية، بينما ستسعى إسرائيل، بدعم أميركي، إلى جر لبنان إلى مزيد من التنازلات، بدليل الضغط لتوسيع الوفد المفاوض، رغم عدم التزام إسرائيل بتنفيذ ما هو مطلوب منها من بنود الاتفاق.

غادة حلاوي-المدن

مقالات ذات صلة