🟠خاص – الهايكنغ في لبنان… متنفس العائلات حين تضيق الخيارات

رحاب ضاهر
في بلد أنهكته الأزمات الاقتصادية وارتفعت فيه كلفة الترفيه والسفر، تحوّل “الهايكنغ” في لبنان من مجرد هواية يمارسها عشاق الطبيعة إلى خيار متاح أمام شريحة واسعة من اللبنانيين الباحثين عن فسحة هادئة بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية.
ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة، ازداد الإقبال على رحلات المشي في الطبيعة، بعدما أصبحت بديلاً أقل كلفة من كثير من الأنشطة الترفيهية. فالعائلات محدودة الدخل والمتوسطة وجدت في هذه الرحلات فرصة لقضاء يوم كامل في أحضان الطبيعة بكلفة رمزية، بعيدًا عن صخب المدن وضغوط المعيشة.

ولا يقتصر أثر الهايكنغ على الجانب الترفيهي، بل يمتد إلى الصحة الجسدية والنفسية. فالمشي بين الغابات والجبال والوديان يمنح المشاركين فرصة للتخفيف من التوتر واستعادة التوازن النفسي، إلى جانب التعرف إلى القرى اللبنانية ومساراتها الطبيعية التي لا تزال تحتفظ بجمالها وتراثها.
وقد ساهمت عشرات المجموعات التطوعية في نشر ثقافة الهايكنغ، من بينها فريق “نبض الطبيعة”، وهو فريق غير ربحي يرفع شعار أن الطبيعة تجمع اللبنانيين بعيدًا عن الانقسامات السياسية والطائفية. ويحرص الفريق على تنظيم رحلات مفتوحة أمام الجميع، داعيًا المشاركين إلى السير تحت راية العلم اللبناني وحده، في رسالة تؤكد أن الجبال والوديان والغابات هي مساحة مشتركة لكل اللبنانيين.
https://www.facebook.com/share/v/1M9nFt4boM/
وتُقام نشاطات الفريق برعاية العميد المتقاعد شامل روكز، الذي يولي أهمية لتعزيز ثقافة المشي في الطبيعة، وتشجيع اللبنانيين على اكتشاف وطنهم والتواصل مع بيئتهم بعيدًا عن أي انقسامات.
https://www.facebook.com/share/p/1HTzWXSDJW/
تؤكد الكوتش هند عجيب، مؤسِّسة فريق “نبض الطبيعة”، أن فكرة تأسيس الفريق جاءت لتوفير متنفس بسيط ومنخفض الكلفة للعائلة اللبنانية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، لافتة إلى أنّ “فكرة الهايكنغ جاءت لتوفر على الناس مصاريف المشاوير المكلفة وثمن البنزين، فأصبح متنفسًا للعائلة اللبنانية، إذ لا يدفع المشارك سوى أجرة النقل التي تتراوح بين 500 ألف ليرة، أي ما يعادل نحو خمسة دولارات للمشوار القريب، وعشرة دولارات للمشوار البعيد. أما الجانب التجاري، فهو بعيد كل البعد عن هدف “نبض الطبيعة”، لأن ما نسعى إليه هو جمع الناس، والتعرف إلى أماكن جديدة في بلدنا، إضافة إلى محاولة إبعاد الجيل الجديد عن الهواتف والشاشات التي يقضي أمامها ساعات طويلة، حتى أصبح التعرف إلى الطبيعة آخر اهتماماته، رغم أنها الخيار الأقل كلفة على جميع الصعد”.
https://www.facebook.com/share/v/17oFgy3fzw/
لكن هذا النشاط، الذي عُرف لسنوات بانخفاض كلفته، لم يبقَ بمنأى عن موجة الغلاء. فمع ازدياد الإقبال على الهايكنغ، دخلت شركات سياحية ومنظمون إلى هذا المجال، وأصبحت بعض الرحلات تُطرح بأسعار تتراوح بين 30 و50 دولارًا للشخص الواحد. وقد تكون هذه الأسعار مبررة عندما تشمل النقل أو خدمات إضافية، لكنها تتحول إلى عبء على كثير من العائلات إذا كانت مقابل تنظيم الرحلة فقط.
https://www.facebook.com/share/v/1JGyn3D9p7/
وإذا احتسبنا كلفة عائلة مؤلفة من أربعة أفراد، فقد تصل قيمة المشاركة إلى ما بين 120 و200 دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة شريحة واسعة من اللبنانيين في ظل الأزمة الاقتصادية.

ومن بين الفرق التي تنظم رحلات الهايكنغ بأسعار تُعد في متناول شريحة واسعة من المشاركين، يبرز فريق “المغامرون” الذي أسسه الكوتش علي عرابي في بلدة قب إلياس بالبقاع الأوسط. وينظم الفريق رحلات أسبوعية إلى مختلف المناطق اللبنانية، فيما تتراوح كلفة المشاركة بين 10 و20 دولارًا، وقد ترتفع أحيانًا بحسب بُعد الوجهة أو طبيعة المسار.
ويستعيد عرابي بدايات تأسيس المجموعة، قائلاً: في البداية كنت أدفع من نفقتي الخاصة حتى أشجع الناس على ممارسة الهايكنغ، لأن هدفي كان نشر هذه الرياضة. وبعد فترة بدأ من حولي يقولون لي إنه يجب أن أتقاضى مبلغًا رمزيًا. كنت مترددًا، لأن هدفي لم يكن الربح، ونحن في بلد يعاني ظروفًا اقتصادية صعبة “عايف التنكة”، فكيف سأطلب من الناس الدفع، فيما هناك أشخاص محرومون حتى من المشي في الطبيعة لأنهم لا يملكون ثمن النقل؟ لذلك كنت أتحمل التكاليف من جيبي، لكن عدد المشاركين كان محدودًا”.
https://www.facebook.com/share/v/1Sneowgs8M/
ويتابع: لاحقًا، وبعد أن بدأت أتقاضى مبلغًا رمزيًا، ازدادت أعداد المشاركين، واضطررت إلى رفع الكلفة قليلًا، لأنني أقوم باستطلاع المسارات مسبقًا. أنا أعتبر نفسي مرشدًا، وما أتقاضاه يغطي كلفة النقل والإرشاد، لكنه يبقى ضمن ميزانية محدودة”.

وعن الرحلات التي تصل كلفتها إلى 40 أو 50 دولارًا، يقول: “البعض حوّل هذه الوسيلة إلى تجارة، والبعض الآخر يخفّض السعر ويعوّض ذلك من خلال الأعداد الكبيرة. وفي النهاية لا أحد يجبر أحدًا على المشاركة، ومن يستطيع دفع هذا المبلغ فليشارك، لكنني أؤكد أن هدف البعض أصبح تجاريًا لا أكثر”. ورغم هذا الواقع، لا تزال بعض الفرق تحاول الحفاظ على الطابع الاجتماعي للهايكنغ وعدم تحويله إلى نشاط ربحي.
وتوضح هند عجيب أن المشاركة في رحلات “نبض الطبيعة” لا تخضع لشروط معقدة، مضيفة: “لا توجد شروط سوى دفع أجرة النقل والالتزام بالشروط الأخلاقية، مثل عدم التدخين داخل الحافلة، والجميع مرحب به. كما أننا نحرص على مرافقة الشخص الذي يشارك للمرة الأولى، ونساعده في خطواته الأولى خلال المسار، ونتابع أوضاعه طوال الرحلة للتأكد من أن كل أموره بخير”.

وتشير إلى أن نشاط الفريق لم يعد يقتصر على تنظيم الرحلات، بل أسهم في بناء علاقات إنسانية بين المشاركين، قائلة: “الأشخاص الذين يشاركون مع “نبض الطبيعة” أصبحوا أصدقاء، يتشاركون همومهم ويساعد بعضهم بعضًا بقدر المستطاع. وأحيانًا نلمس أن بعض المشاركين غير قادرين على دفع أجرة الطريق، فنطلب منهم المشاركة من دون دفع أي مبلغ، وفي بعض الحالات، إذا كانوا بحاجة إلى مساعدة مادية، نحاول مساعدتهم بحسب إمكاناتنا”.
وتلفت عجيب إلى أن فريق “نبض الطبيعة” يتمكن في بعض الرحلات من تخفيف الكلفة على المشاركين، موضحة: “عندما نزور بعض البلدات برفقة العميد شامل روكز، نُعفى من رسوم البلديات، وحتى عندما يكون هناك مرشد لا ندفع تكلفته، إذ يكون استقبالنا حافلًا من البلديات، وتُقدم لنا أحيانًا وجبات فطور قروية بحسب إمكاناتها. أما بقية الفرق فلا تتمتع بهذه الميزة، وهو ما يساعدنا على إبقاء تكلفة الرحلات أقل”.

ولا تقتصر الكلفة على أجور الرحلات، بل تشمل أيضًا رسوم دخول عدد من المحميات الطبيعية، وهي رسوم تختلف من منطقة إلى أخرى.
ويرى كوتش علي عرابي أن رسوم الدخول يجب أن تتناسب مع مستوى الخدمات المقدمة، موضحًا: مثلا تبلغ رسوم الدخول إلى مستنقع عميق خمسة دولارات، وبأس بذلك شرط ان يرتفع مستوى الخدمات المتوافرة، كزيادة عدد المقاعد المخصصة لكبار السن وإنشاء مزيد من دورات المياه للأطفال والزوار. أما في معاصر الشوف والباروك، فرسم الدخول يبلغ خمسة دولارات أيضًا، لكنه مستحق لأن هذه الأموال تُصرف على العناية بالمحمية والحفاظ عليها، وهو ما ينعكس على نظافة المكان وتنظيمه والمحافظة على الأشجار المعمرة وأعمال التشجير”.
https://www.facebook.com/share/v/18xjgpig5i/
ويضيف: في المقابل، هناك أماكن أخرى مثل يحشوش، حيث تبلغ رسوم الدخول نحو 500 ألف ليرة، والشوان التي تصل إلى ثمانية دولارات، وهو مبلغ كبير برأيي، خصوصًا أن مستوى الاهتمام والخدمات فيها لا يوازي ما هو موجود في معاصر الشوف أو الباروك”.
https://www.facebook.com/share/v/1Z31DxiJMH/
بين فرقٍ تحاول إبقاء الهايكنغ نشاطًا متاحًا للجميع، وأخرى دخلت في دائرة الأسعار المرتفعة، يبقى المشي في الطبيعة بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين أكثر من مجرد رياضة، بل فرصة للهروب من ضغوط الحياة، واكتشاف وطن لا تزال جباله وغاباته ومساراته قادرة على جمع الناس بعيدًا عن كل الأزمات.
خاص Checklebanon



