🟠جبهة إيران العراقية: هل يستطيع «علي الزيدي» مقاومة النفوذ الإيراني المتغلغل؟!

جبهة إيران العراقية
كم أحيت الأيام السبعون الأولى من ولاية علي فالح الزيدي كثيراً من الأمل لدى العراقيين منذ توليه رئاسة الحكومة، قبل أن تبدده طهران. كانت فترة حافلة بملاحقة رموز الفساد، وإصلاح الأجهزة الحكومية المعطلة، والسعي إلى حصر السلاح بيد الدولة عبر مطالبة الميليشيات بتسليمه، إلى جانب إطلاق خطة استثمارية وبرنامج عمل وجد ترحيباً في البيت الأبيض.
إلا أن إيران أطلقت النار على برنامج رئيس الوزراء وحوّلت العراق إلى جبهة حرب. على غرار لبنان واليمن، واستخدمت أراضيه ومواطنيه منصة لمهاجمة ست دول إقليمية، كان آخرها السعودية والأردن والقوات الأميركية. وهذه الاعتداءات على السعودية وجاراتها ليست في حقيقتها سوى عدوان إيراني على سيادة العراق وأراضيه، ومحاولة لإعداده ليصبح نسخة أخرى من لبنان واليمن.
وباستثناء الميليشيات المرتبطة بـ«الحرس الثوري»، لا بد أن غالبية العراقيين تشعر بالإحباط والقلق من جرّ بلادهم إلى حرب لا تخدم مصالحها. وقد عبر عن هذا الشعور السيد مقتدى الصدر، زعيم التيار الوطني الشيعي، في بيانه الأخير، الذي قال فيه: «العراق وشعبه بحاجة إلى السلام، وكفانا حرباً استنزفت كل مقدراتنا».
لقد أكدت الأزمة ما يعرفه كثيرون منذ سنوات، وهو أن العراق يدفع ثمناً باهظاً للنفوذ الإيراني. فقد استخدمته طهران ممراً للالتفاف على العقوبات، ومغسلة لأموالها، وقناة لتهريب نفطها، ومصرفاً لتمويل نشاطاتها الإقليمية بمليارات الدولارات. كما أسهمت في زعزعة استقرار العراق وأمنه، وإضعاف اقتصاده واستثماراته، وإفشال الحكومات المتعاقبة، والإضرار بعلاقاته العربية والدولية.
واليوم نشهد مرحلة جديدة من هذا النفوذ، تتمثل في محاولة تحويل العراق إلى وكيل يخوض بالنيابة عن إيران حربها ضد الولايات المتحدة وعدد من الدول الإقليمية.
في غضون يوم واحد، بدّدت إيران ما حاول رئيس الوزراء الجديد تحقيقه من إصلاحات لفتح صفحة مختلفة في تاريخ العراق. فهي تسعى إلى تسخير البلاد لتكون جبهتها العسكرية البديلة بعد تراجع نفوذها في لبنان وغزة. كما أن استمرار الحدود المفتوحة أمام نشاط «الحرس الثوري» سيقود العراق إلى مزيد من الضعف والدمار.
إن العلاقات بين الدول لا تستقيم إلا على أساس الاحترام المتبادل، وهو ما دعا إليه السيد مقتدى الصدر في بيانه، بقوله: «لم تكن هذه الأرض المقدسة منطلقاً لقصف الجمهورية الإسلامية، فعلى الإخوة في (الحرس الثوري) عدم قصف أراضينا المستقلة المقدسة، كما على الميليشيات المنفلتة عدم إعطاء الذريعة للإخوة في دول الخليج العربي لاستهداف أرضنا المقدسة».
ويبقى السؤال؛ هل يستطيع رئيس الحكومة مقاومة النفوذ الإيراني المتغلغل؟ أمام القيادات العراقية اليوم فرصة للإصرار على رفض عسكرة الدولة ورفض «ميليشنة» المجتمع، ومنع الزجّ بالعراق في حرب إقليمية لا يريدها العراقيون، ولا ترغب فيها دول المنطقة.
في الوقت الذي لا تخفي طهران طموحاتها، بل تسعى إلى إقناع الجميع بأن العراق أصبح ساحتها وخاضعاً لنفوذها، وأن التسليم بهذه الحقيقة أمر لا مفر منه. لكن إعلان رفض هذا «الواقع» والتمسك باستقلال القرار العراقي، سيحظى بدعم شعبي ومؤسسي واسع. فقد استطاع العراق تجاوز أزمات وانقسامات خلال العقدين الماضيين، وهو قادر على إثبات ذلك مرة أخرى.
الأزمة الحالية تمثل اختباراً جديداً لإرادة الحكومة والشعب العراقي، وفرصة لإعادة رسم حدود العلاقة مع طهران على أسس تحفظ سيادة العراق واستقلال قراره.
ونحن نتفهم الموقع الجيوسياسي المعقد للعراق بين قوى إقليمية متنافسة. فطهران تطالب بغداد بعدم السماح باستخدام أراضيها ضدها، لكنها في المقابل تدير وتسلح عدداً من الميليشيات العراقية، في تحدٍ واضح لمركزية الدولة وحقّها الحصري في امتلاك السلاح. كما توجه هذه المجموعات للاعتداء على دول الجوار، بما يدفع العراق تدريجياً نحو النموذج اللبناني، وهو مسار يهدد مؤسسات الدولة ووحدتها الوطنية ويدفعها نحو الفوضى.
وخلال شهرين فقط، نجح رئيس الوزراء في بناء قدر كبير من الأمل لدى العراقيين، على اختلاف انتماءاتهم، بإمكانية استعادة الدولة وتحقيق التنمية والازدهار. كما حظي بدعم شعبي ملحوظ. وسيكون قادراً على مواصلة هذا المسار إذا تمكن من إنهاء ظاهرة السلاح خارج الدولة، وترسيخ احتكارها الشرعي للقوة، باعتبار ذلك البوابة الرئيسية لبناء عراق مستقر ومزدهر.
عبد الرحمن الراشد- الشرق الاوسط



