لماذا تم حذف جزء من كلمة بزشكيان وماذا كانت تتضمن؟

أثار حذفُ جزءٍ من كلمة الرئيس الإيراني، مسعود بزشكیان، أثناء بثّ النسخة الكاملة لخطابه عبر قناة “الخبر” في التلفزيون الرسمي، جدلاً واسعاً خلال الأيام الأخيرة. وقد أدّى هذا الأمر، إضافةً إلى احتجاج الحكومة، إلى موجةٍ واسعةٍ من الانتقادات من ناشطين سياسيين وخبراء في شؤون الإعلام.

ويتعلّق الجزء الذي حُذف بالمقاطع التي أوضح فيها بزشكيان أن المرشد الراحل، علي خامنئي، أعلن في تصريحات له معارضته الكاملة للتفاوض مع الولايات المتحدة، إلا أن بزشكيان تمكّن لاحقاً، خلال لقاءٍ خاص معه، من الحصول على موافقته، وأن المرشد أمر بإجراء هذه المفاوضات من أجل إخراج البلاد من حالة “اللا حرب واللا سلم”. وأثار حذفُ هذه المقاطع من تصريحات بزشكيان ردود فعل سلبية واسعة في الرأي العام.

حذوتُعدّ هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية في إيران، المعروفة باسم “صدا وسيما”، مؤسسة مستقلة عن الحكومة. ويُعيَّن رئيسها من قبل المرشد، بينما يتولى الإشراف عليها مجلسٌ يضم ممثلين عن رئيس الجمهورية والبرلمان والسلطة القضائية. وخلال الأسابيع الأخيرة، وجّه الرئيس بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي ومسؤولون حكوميون آخرون انتقادات حادة إلى الهيئة.

ويقول منتقدون إن هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية تدعم التيارات السياسية المتشددة المعارضة للمفاوضات والتوصل إلى اتفاق سياسي مع الولايات المتحدة، وفي المقابل تستهدف التيارات المؤيدة للمفاوضات والتفاهم. في المقابل، تدافع هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية عن أدائها، وتقول إنها تؤدي مسؤولياتها وواجباتها الإعلامية بوصفها “وسيلة إعلام ثورية”، وإنها توفر تغطيةً لجميع التوجهات والآراء.

كما نشر عدد من الصحافيين صوراً ومقاطع فيديو للمقارنة بين النسخة التي نشرها مكتب رئاسة الجمهورية والنسخة التي بثّتها هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، مشيرين إلى أنه في عصر شبكات التواصل الاجتماعي، فإن حذف جزء من خطاب لا يمنع الجمهور من الوصول إليه، بل يؤدي عملياً إلى لفت الانتباه بصورة أكبر إلى ذلك الجزء المحذوف.

وفي الوقت نفسه، ذكّر بعض خبراء الاتصال بأن بثّ نسخ مختصرة من الخطب في النشرات الإخبارية يُعد أمراً شائعاً في كثير من الدول، غير أنه عندما تعلن وسيلة إعلامية أنها تبث “النسخة الكاملة للخطاب”، فإن الجمهور يتوقع نشر النص والصورة من دون أي حذف، وأن أي عملية اقتطاع ينبغي توضيحها للمشاهدين.

وأصدر مجلس الإعلام الحكومي بياناً انتقد فيه حذف جزء من تصريحات رئيس الجمهورية، معتبراً أن هذا الإجراء يتعارض مع ما ينتظره الرأي العام من هيئة الإذاعة والتلفزيون. وجاء في البيان أن الهيئة حذفت الجزء أثناء بثّها الفيلم الكامل لخطابه، رغم أن النص الكامل للكلمة كان قد نُشر من قبل مؤسسة رئاسة الجمهورية وكان متاحاً للرأي العام.

وأكد المجلس أن هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها مثل هذا الأمر، مشيراً إلى أنه خلال الأسابيع الماضية سُجلت أيضاً حالات حذف أو اقتطاع من تصريحات عدد آخر من كبار المسؤولين في البلاد.

وأضاف المجلس أن هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية ينبغي أن تعكس وجهات نظر جميع مؤسسات النظام، وأن تتجنب التعامل الانتقائي مع تصريحات المسؤولين، لأن مثل هذه الممارسات قد تؤثر سلباً في ثقة الرأي العام بالإعلام الوطني. كما جاء في البيان أن المؤسسة الإعلامية التي تُموَّل من المال العام مطالبة أكثر من غيرها بالالتزام بمبدأ الأمانة في نقل تصريحات المسؤولين، والامتناع عن أي تعديل أو تصرف قد يؤدي إلى إثارة الغموض لدى الرأي العام.

وعقب صدور بيان مجلس الإعلام الحكومي، أصدرت دائرة العلاقات العامة في هيئة الإذاعة والتلفزيون بياناً ردّت فيه على الانتقادات ودافعت عن قرارها حذفَ أجزاءٍ من خطاب بزشكيان. وأكدت الهيئة، مع رفضها لبعض الاتهامات الموجهة إليها، أنها تلتزم دائماً بالحفاظ على المصالح الوطنية، ووحدة البلاد، ومراعاة المصلحة العامة، وأنها تعتمد هذه المبادئ في إعداد وبث برامجها الإخبارية.

وأضاف البيان أن بعض التفسيرات المطروحة بشأن طريقة تغطية تصريحات رئيس الجمهورية لا تنسجم مع حقيقة أداء المؤسسة، مؤكداً أنه لا ينبغي تحويل الخلافات الإعلامية إلى قضية تؤدي إلى خلق انقسام بين مؤسسات الدولة. كما دعت العلاقات العامة للهيئة وسائل الإعلام والناشطين السياسيين إلى تجنب إصدار أحكام متسرعة عند نقل هذه القضية وتحليلها.

ومع ذلك، لم ينجح رد هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية في إنهاء الجدل، إذ واصلت وسائل إعلام مختلفة مقارنة النسخة الأصلية للخطاب بالنسخة التي بثها التلفزيون، كما نشرت تقارير حول الجزء الذي جرى حذفه.

وسبق أن قامت هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية أيضاً بقطع جزء من مقابلة مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أثناء بثها، ولم تعرضها كاملة. كما لم تبث في بعض نشراتها الإخبارية أجزاءً من تصريحات رئيس السلطة القضائية التي عبّر فيها عن دعمه لرئيس الجمهورية.

وخصّصت صحيفة “سازندكي” الإصلاحية عنوانها الرئيسي لهذه القضية، تحت عنوان: “منظمة الشقاق الوطني”، في إشارة إلی هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية.

وجاء في افتتاحية الصحيفة أن “مديري ومسؤولي ومقدمي البرامج في هيئة الإذاعة والتلفزيون، الذين باتوا محصورين في فئةٍ محددة، حوّلوا المؤسسة، من خلال الرقابة على تصريحات رؤساء السلطات، وتأجيج التوترات والخلافات السياسية، وتعزيز خطاب التحريض على الحرب، إلى ما يشبه معقلاً للتطرف، وكأن مهمتها أصبحت زيادة التوترات الداخلية، وتصعيد النزعة الحربية، ونشر الخوف واليأس بين المواطنين”.

وأضافت الصحيفة أن “حصيلة سنواتٍ من احتكار الصوت الواحد، والرقابة، والنظرة الفئوية، تمثّلت في التراجع غير المسبوق لمكانة هيئة الإذاعة والتلفزيون بوصفها مرجعاً إخبارياً، والهجرة الواسعة للجمهور إلى شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الناطقة من الخارج، فضلًا عن تآكل الرصيد الاجتماعي للمؤسسة. وهو رصيدٌ تكوّن تدريجياً على مدى عقود، لكنه أخذ يتلاشى خلال السنوات الأخيرة بوتيرة غير مسبوقة، وأصبح استعادته، إن كانت ممكنة، تتطلب سنواتٍ من الزمن وإصلاحاتٍ جذرية.”

إلى جانب الموقف الرسمي للحكومة، أعلن عدد من أعضاء مجلس الوزراء ومستشاري رئيس الجمهورية مواقفهم من هذه القضية أيضاً. فقد كتب يوسف بزشكيان، نجل الرئيس ومستشاره، في منشور على منصة “إكس”، في إشارة إلى حذف جزء من كلمة رئيس الجمهورية: “من الذي يقرر في هيئة الإذاعة والتلفزيون أي جزء من كلمات رؤساء السلطات لا ينبغي بثه؟ وإذا كان لدينا شخص بهذه الدرجة من الحكمة، ويملك تشخيصاً يفوق تشخيص رؤساء السلطات، فلنسلّم إليه إدارة البلاد”.

وبغض النظر عن الخلافات بشأن طريقة تغطية هذا الخطاب، يرى كثير من المحللين أن هذه القضية أعادت إلى الواجهة مرة أخرى النقاش القديم حول “المرجعية الإعلامية”، وهو نقاش ازداد حضوره خلال السنوات الأخيرة بالتزامن مع الانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي.

وفي رد فعلها، كتبت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية (إرنا) أن “هيئة الإذاعة والتلفزيون حذفت جزءاً من تصريحات رئيس الجمهورية المتعلقة برأي المرشد الشهيد بشأن المفاوضات، وذلك رغم أن المرشد كان قد أكد، قبل أربعة أيام فقط، في رسالة له، على ضرورة استمرار الثقة بالمسؤولين (رؤساء السلطات)”. وأضافت الوكالة متسائلة: “من الذي يقرر في هيئة الإذاعة والتلفزيون أي جزء من كلمات رؤساء السلطات لا ينبغي بثه؟”.

وأضافت إرنا: “السؤال المطروح هو: في الوقت الذي يدعو فيه قائد الثورة الشعب الإيراني إلى مواصلة الثقة بالمسؤولين المخلصين، بأي مبرر تقوم إدارة هيئة الإذاعة والتلفزيون بممارسة الرقابة على تصريحات رئيس الجمهورية؟”.

واعتبرت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، أن مثل هذه الإجراءات تأتي في إطار تقويض “الوحدة المقدسة”، وقالت: “كل ما من شأنه إضعاف التماسك الوطني يسير، من حيث لا يشعر، في اتجاه رغبة أولئك الذين يستفيدون من الانقسام والاستقطاب داخل المجتمع الإيراني”.

القدس العربي

مقالات ذات صلة