🟠تحدّيات تقنية غير مسبوقة: نجاح الضربة غير مضمون…هذه هي رواية إيران حول «جبل الفأس»!

في خضمّ التصعيد العسكري المتسارع بين طهران وواشنطن، عادت منشأة «جبل الفأس» الواقعة قرب مجمّع نطنز لتخصيب اليورانيوم، لتتصدّر قائمة الأهداف المُحتملة لأيّ عدوان أميركي. ويأتي ذلك على خلفية تحذيرات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي أعلن أن الولايات المتحدة تضع هذه المنشأة تحت مجهر مراقبتها، ملوّحاً بإمكانية شنّ «هجوم كبير» عليها. وبعدما استهدف القصف الأميركي، خلال «حرب الـ12 يوماً» في العام الماضي، ثلاث منشآت نووية إيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان، تفرض التساؤلات نفسها حول ماهية منشأة «جبل الفأس»، والدلالات الاستراتيجية الكامنة خلف تسليط الإدارة الأميركية الضوء عليها في الآونة الأخيرة.
يقع هذا المجمّع الذي لا يزال قيد الإنشاء، تحت الأرض في منطقة تُعرف باسم «كوه كلنغ غزلا»، على بُعد نحو كيلومترين جنوب مجمّع الشهيد أحمدي روشن في نطنز في محافظة أصفهان، ونحو 220 كيلومتراً جنوب طهران. وتشرف قمة الجبل، التي يبلغ ارتفاعها نحو 1608 أمتار فوق سطح البحر، على سهول نطنز، لتشكّل بذلك درعاً طبيعياً صخرياً للمنشأة. وتعود جذور إنشاء «جبل الفأس» إلى تموز 2020، عقب الانفجار التخريبي الذي استهدف مبنى تجميع أجهزة الطرد المركزي في نطنز، والذي نُسب إلى إسرائيل؛ إذ اتّخذت طهران قراراً، في حينه، بنقل منشآتها الحسّاسة المُخصّصة لإنتاج أجهزة الطرد المركزي إلى أعماق الأرض. وتُظهِر صور الأقمار الاصطناعية أن المجمّع يتمتّع بقدرة عالية على الصمود، نظراً إلى امتلاكه زوجَين على الأقلّ من المداخل في الجهتَين الشرقية والغربية، بالإضافة إلى منفذ جنوبي. وبناءً على حجم أعمال الحفر، تُقدَّر المساحة الداخلية للمنشأة تحت الأرض بأكثر من 5000 متر مربع.
غير أن اللافت في هذا السياق، هو رفض إيران طلب «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» الوصول إلى المجمّع، والذي تستند فيه إلى «معاهدة حظر الانتشار النووي» (NPT)؛ إذ ترى طهران أنه طالما لم يتمّ حقن مواد نووية (مثل غاز سداسي فلوريد اليورانيوم) داخل المنشأة، فلا يمكن تصنيفها رسمياً كمنشأة نووية خاضعة للضمانات الدولية، وبالتالي، لا يوجد إلزام قانوني باستقبال المفتّشين فيها. مع ذلك، وفي ظل غياب الزيارات الميدانية والرقابة الدولية المباشرة، تداولت التقارير فرضيات عدّة حول طبيعة الأنشطة الداخلية لمجمّع «جبل الفأس»، يمكن إجمالها في ثلاثة سيناريوات.
يحدّد السيناريو الأول، وهو الرواية الرسمية لطهران، وظيفة «جبل الفأس» في كونه مركزاً مُخصّصاً لسلاسل إنتاج وتجميع أجيال جديدة من أجهزة الطرد المركزي المتطوّرة. وتبدو هذه الفرضية منطقية تماماً بالنظر إلى سوابق التخريب عام 2020؛ إذ تهدف طهران من نقل تلك العمليات الحسّاسة إلى أعماق الصخر والخرسانة، إلى تحصين هذا الجزء الحيوي من برنامجها النووي ضدّ الهجمات السيبرانية – الفيزيائية، والغارات التقليدية.
أمّا السيناريو الثاني، الذي يثير قلقاً بالغاً لدى واشنطن وتل أبيب، فيتمحور حول احتمال تحويل هذه المساحة الشاسعة إلى ورشة مُصغّرة ولكنها عالية الكفاءة، لتخصيب اليورانيوم. ونظراً إلى أن أجهزة الطرد المركزي الإيرانية المتطوّرة تتمتّع بقدرة فصل (SWU) تفوق بكثير نظيراتها من الأجيال القديمة، فإن عدداً محدوداً منها، إذا ما نُظّم في سلاسل «شلالات» صغيرة، كفيل بإنتاج كميات مُعتبرة من اليورانيوم المُخصّب. ورغم أن مساحة الـ5000 متر مربّع داخل «جبل الفأس» تُعدّ كافية لاستيعاب هكذا ورشة، إلا أنه لم تَظهر حتى الآن أيّ أدلة ملموسة تؤكد نقل أو تركيب التمديدات اللازمة لتشغيل تلك السلاسل.
وفي الانتقال إلى السيناريو الثالث، فهو يتّصل بالدور المُحتمل لهذا المركز كخزان استراتيجي لليورانيوم العالي التخصيب. فوفقاً للبيانات الرسمية لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» قبل «حرب الـ 12 يوماً» في حزيران 2025، كانت إيران تحوز نحو 440.9 كيلوغراماً من اليورانيوم المُخصّب بنسبة 60%، وهو المستوى التقني الأخير قبل بلوغ العتبة العسكرية (90%). وعقب الغارات الجوية المُكثّفة التي استهدفت منشآت أصفهان وفوردو ونطنز، تعرّضت قنوات الرقابة المباشرة لاضطرابات جمّة. ورغم أن المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، أشار، في تقييماته لعام 2026، إلى احتمالية وجود أكثر من 200 كيلوغرام من هذه المواد الحسّاسة داخل الطبقات الجوفية لمنشأة أصفهان، إلا أن حالة من عدم اليقين لا تزال تكتنف ذلك التقدير.
وفي هذا الصدد، تزعم بعض الدوائر الاستخباراتية الغربية أن إيران عمدت إلى نقل جزء من مخزونها الاستراتيجي المُخصّب بنسبة 60% إلى مجمّع «جبل الفأس» لتحصينه من موجة ثانية من الضربات، إلا أنه لا تتوفّر حتى اللحظة أيّ وثائق رسمية أو صور أقمار اصطناعية يُعتدّ بها تؤكد حدوث عملية نقل فيزيائي لمواد مشعّة إلى الموقع. وفي حال اتخاذ الولايات المتحدة قراراً بتنفيذ خيار عسكري ضدّ «جبل الفأس»، سيواجه مخطّطو «البنتاغون» تحدّيات تقنية غير مسبوقة تختلف عن تجاربهم السابقة في فوردو أو نطنز؛ إذ إن العمق الكبير للطبقات الصخرية التي تغطّي المجمع، والغموض الذي يلفّ الهندسة الداخلية للأنفاق، يجعلان من جدوى أيّ ضربة جوية أمراً غامضاً وغير مضمون. وبناءً عليه، إذا ما قرّرت واشنطن مهاجمة «جبل الفأس»، فإنها لن تسعى إلى تدمير الأعماق الصخرية، بل ستعتمد استراتيجية «شلّ البنية التحتية»، أي قصف المداخل، وأنظمة التهوئة، وأبراج الكهرباء، وطرق الوصول، وذلك لتعطيل نشاط «الحصن الجوفي»، من دون الحاجة إلى تدمير نواته المركزية.
وهكذا، فإن أيّ هجوم أميركي مُحتمل على المجمّع، هو أقرب إلى كونه إجراءً وقائياً لمنع ولادة «حصن نووي» آخر لا يُقهر في الهضبة الإيرانية الوسطى، منه إلى ردّ على تهديد فوري وناشط. ومع ذلك، فإن المنشأة التي لا تزال قيد التعمير يمكن عدّها تجسيداً للاستراتيجية الكبرى للجمهورية الإسلامية في مجالَي الردع والدفاع النووي، في حين أن التهديدات الصريحة التي يطلقها ترامب، والتركيز المُكثّف من جانب الإعلام الغربي على «جبل الفأس»، يشيان بالأهمية الرمزية والاستراتيجية التي تُميِّز هذه المنشأة.
الاخبار



