🟠عون قبل واشنطن «عقله في بعبدا وقلبه في اليرزة»: «هذا ما سأقوله للرّئيس ترامب»..!

لا يقدّم رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون اتّفاق الإطار مع إسرائيل على أنّه انتصار سياسيّ أو إنجاز تاريخيّ، بل يحرص على طرح سؤال واحد بدا وكأنّه مفتاح لفهم مقاربته كاملة: “هل من خيار آخر؟”. لا يعكس هذا السؤال اقتناعاً كاملاً باتّفاق الإطار بقدر ما يعكس اقتناعاً بأنّ لبنان استنفد خياراته السابقة.

يقول الرئيس ضمناً إنّ أربعين عاماً من الحروب والسلاح والصراعات لم تنتج دولة قويّة، ولم تحرّر الاقتصاد، ولم تمنح اللبنانيّين حياة طبيعيّة، وبالتالي لن يؤدّي تكرار التجربة إلى نتيجة مختلفة.

في أكثر من محطّة، بدا واضحاً أنّ الرئيس جوزف عون يحاول تكريس خطاب مختلف عن الخطاب التقليديّ الذي حكم الحياة السياسيّة اللبنانيّة. لا يتحدّث بمنطق المنتصر والمهزوم، ولا بمنطق الغالب والمغلوب، بل بمنطق الدولة التي تبحث عن مصلحة مواطنيها أوّلاً. عندما يقول “أريد أن أنقذ شعبي“، فهو يحاول نقل النقاش من سجال الاتّفاقات والمحاور إلى سؤال أبسط وأكثر مباشرة: ماذا يريد اللبنانيّ اليوم؟ وهل يستطيع تحمّل حرب جديدة أو انهيار جديد؟

هذا ما سأقوله للرّئيس ترامب..

لا تبدو زيارة رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون لواشنطن محطّة بروتوكوليّة أو لقاءً دبلوماسيّاً عابراً. تأتي الزيارة في لحظة مفصليّة يعيشها لبنان، تتداخل فيها الملفّات الأمنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، فيما يقف البلد أمام خيارين: إمّا استثمار التحوّلات الإقليميّة والدوليّة لإعادة تثبيت الدولة، وإمّا العودة إلى الحلقة المفرغة التي حكمت لبنان لعقود.

ردّاً على سؤال لـ”أساس”، يحدّد الرئيس عون برنامج لقائه مع الرئيس دونالد ترامب بثلاث نقاط:

1- شرح الواقع اللبنانيّ على حقيقته وبشفافيّة، وتاريخيّة الصراع مع إسرائيل.

2- تقويم المرحلة الراهنة، وضرورة استمرار الضمانة الأميركيّة لتحقيق الانسحاب الإسرائيليّ.
3- دعم مؤسّسة الجيش للقيام بمهامّها، إمّا عبر مؤتمر لدعم الجيش أو عبر هبات عاجلة.

قول الرئيس جوزف عون: “لا أريد الذهاب إلى واشنطن بحثاً عن صورة مع الرئيس ترامب أو عن بيان مشترك، بل أريد تثبيت معادلة جديدة عنوانها أنّ لبنان يريد دولة قويّة، وجيشاً مدعوماً، وضمانات دوليّة تمنع العودة إلى الحرب.”

على خلفيّة ذلك، يصبح تمسّكه بأن يكون الدور الأميركيّ ضامناً لاتّفاق الإطار مفهوماً، سواء اتّفق اللبنانيّون مع هذا الخيار أم اختلفوا عليه. من وجهة نظره، لا يملك لبنان اليوم رفاهية رفض كلّ المبادرات من دون امتلاك بدائل واقعيّة.

سلاح “الحزب”… لا مواجهة ولا تجاهل

يقارب الرئيس عون ملفّ سلاح “الحزب” خارج الخطاب التقليديّ المنقسم بين مؤيّد ومعارض. يقدّم مقاربة تقوم على فكرة أنّ أيّ حلّ بالقوّة سيقود إلى كارثة داخليّة، وأنّ أيّ تجاهل للملفّ سيُبقي الأزمة مفتوحة. لذلك اختار طريقاً ثالثاً: الحوار. قد يراه البعض بطيئاً، وقد يعتبره آخرون غير كافٍ، لكنّه بالنسبة إلى رئيس الجمهوريّة الخيار الوحيد الذي يمنع انزلاق لبنان إلى مواجهة داخليّة جديدة. ويقول: “فلتنسحب إسرائيل، ونحن نحلّ ملفّ السلاح. هذه هي الأرضيّة التي يمكننا العمل عليها لإنهاء هذا الملفّ”.

من أكثر الرسائل وضوحاً في كلام رئيس الجمهوريّة دفاعه المطلق عن المؤسّسة العسكريّة. لم يكن دفاعاً سياسيّاً بقدر ما كان محاولة لتثبيت معادلة يعتبرها أساسيّة: لا دولة من دون جيش، ولا استقرار من دون مؤسّسة عسكريّة متماسكة.

بلا شرف من يتناول الجيش

لهذا جاءت عبارته الحادّة بحقّ من يهاجم الجيش، في رسالة واضحة بأنّ الرئاسة لن تسمح بتحويل المؤسّسة العسكريّة إلى طرف في الصراع السياسيّ الداخليّ. يقول صارخاً: “انقلوا عنّي: من يتناول الجيش فهو بلا شرف وبلا وطنيّة. هذا الجيش قدّم الكثير، والجنديّ براتب ضئيل يقف على الحدود وفي المناطق الساخنة. قدّم الجيش الكثير في ملفّ مكافحة الإرهاب والمخدّرات، والحرص على أمن الحدود، ومنع التهريب، فكيف يتطاول البعض عليه؟”.

يدرك الرئيس أنّ الجيش يبقى المؤسّسة الوحيدة التي لا تزال تحظى بحدّ أدنى من الثقة الوطنيّة، وأنّ المساس بها يعني عمليّاً المساس بما بقي من الدولة. تُظهر الحدّة في كلامه عن مؤسسة الجيش أنّ قلبه في اليرزة وعقله في بعبدا.

متى يزور دمشق؟

من الولايات المتحدة الأميركية، سوف يأتي الرئيس عون إلى تركيا في زيارة رسمية، لكن بين واشنطن وأنقرة هناك عاصمة أقرب اسمها دمشق. تلقّى الرئيس عون دعوة من الرئيس السوري أحمد الشرع لزيارتها، حملها إليه وزير الخارجية أسعد الشيباني خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان. والسؤال المطروح على ألسنة فئة كبيرة من اللبنانيين: “متى نرى الرئيس عون في دمشق؟”. يجيب الرئيس عون قائلاً: “رئيس الجمهورية، عندما يزور بلداً آخر، تكون هذه الزيارة من أجل حدث كبير، وسأزور دمشق عندما ننجز حدثاً كبيراً، كترسيم الحدود أو شيئاً يماثله. وقد أخبرت الرئيس الشرع بذلك”.

العلاقة مع الرّئيسين

يدحض الرئيس عون كلّ الكلام عن خلاف تارة بينه وبين الرئيس نبيه برّي، وتارة أخرى بينه وبين الرئيس نوّاف سلام، فهو يؤمن بأنّ المرحلة المقبلة تحتاج إلى الحدّ الأدنى من التماسك الداخليّ إذا أراد لبنان الاستفادة من أيّ فرصة خارجيّة.

يؤكّد أنّ الاتّصال مع الرئيس نبيه برّي لم ينقطع، وقد تشاور معه قبل أسبوعين بشأن اختيار رئيس الوفد المشارك في تشييع المرشد الإيرانيّ، وأنّ التواصل لا ينقطع، سواء مباشرة أو عبر وسطاء. كذلك الأمر مع الرئيس نوّاف سلام، ويروي: “عندما زارني الرئيس سلام قلت له: تعال نلتقط معاً صورة في حديقة القصر، لعلّ الشائعات تتوقّف.”

قد يختلف اللبنانيّون مع كثير ممّا قاله ويفعله رئيس الجمهوريّة، وقد يعارض البعض خياراته أو مقاربته لاتّفاق الإطار، لكن من الصعب تجاهل أنّ الرجل يحاول إدارة المرحلة بمنطق مختلف عن منطق الشعارات. لا يعِد بانتصارات كبرى، ولا يتحدّث عن حلول سحريّة، بل يكرّر سؤالاً بسيطاً: “ما هو البديل؟”. ربّما ستكون الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدّد نجاح العهد أو فشله في السنوات المقبلة.

لا يحتاج لبنان اليوم إلى مزيد من الخطابات بقدر ما يحتاج إلى دولة قادرة على اتّخاذ القرار، وإلى سلطة تستطيع تحويل الفرص السياسيّة إلى إنجازات فعليّة، بعيداً عن منطق إدارة الأزمات الذي استنزف البلاد لعقود.

الـ MTV : الاتصال بين عون وترامب كان ممتازاً وعون قال عن الاخير أمام أحد  زواره "بتقول عنّو لبناني"!

زياد عيتاني- اساس

مقالات ذات صلة