🟠جنبلاط والتصويب على “الطائف”وطيف طريف والحنين المستجدّ إلى “6 شباط”!

أطلق الزعيم الدرزي وليد جنبلاط طلقة استراتيجية متفجّرة على “صيغة الإطار” بين لبنان وإسرائيل، أصابت حممها الدولة و”اتفاق الطائف” وعرّابه. وتكتسب هذه الطلقة ثقلا أكبر وأعمّ لكونها ليست تغريدة على “أكس”، أو موقفًا في إطلالة إعلامية، بل مذكرة جرى تقديمها خلال جلسة استثنائية لـ”المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز”، للخروج بموقف يجمع البعدين السياسي والديني لنزع المشروعية الدرزية عن الاتفاق.

يعتبر جنبلاط أن جوهر المشكلة يكمن في فلسفة الاتفاق، وتحويله طبيعة النزاع من مواجهة إسرائيل ووجودها العسكري على الأرض اللبنانية، إلى أزمة عنوانها السلاح، وتاليًا نقل الصراع إلى داخل البيت اللبناني بـ”منازله”. بيد أنه يسقط العلاقة السبيية بين “حزب الله” والواقع الراهن، واستدعائه هذا الوجود العسكري بحسابات إيرانية لا يتردد قادته من الجهر بها. كما أنه يتجاوز فلسفة الموقف اللبناني البراغماتية، وركيزته الحد من الخسائر وتفادي الأسوأ، خصوصًا بعد مأساة غزة الماثلة أمام الأعين والبصائر. فالقوات الإسرائيلية وصلت إلى “علي الطاهر”، وغدًا قد تصل إلى النبطية، وبعدها صيدا وبعلبك، وربما تكون بيروت في المهداف.

في العمق، لا يمكن فصل فلسفة الموقف الجنبلاطي عن الهواجس الكيانية للطائفة وجغرافيتها السياسية. فثمة طيف يلوح في الأفق يمثله الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، والذي يتنامى تأثيره العابر للحدود. فبعد اختراقه لـ”جبل العرب” في سوريا، بات يُنظر إليه كتهديد جدي لمعادلة النفوذ التاريخية في جبل لبنان. فالقاعدة الأساسية للزعامة الجنبلاطية قوامها ثنائي: الدروز – الجبل.

في مذكراته، يتحدث الرئيس صائب سلام في غير موضع عن هذه القاعدة وتأثيرها على نهج كمال جنبلاط، وكيف كان ينتقل من نقاش المسائل الاستراتيجية الكبرى إلى تفاصيل ريفية بسيطة تخص مختارًا أو عاملا في قرية نائية. هذه التفاصيل التي سماها سلام “جبليّات” انتقلت كإرث سياسي إلى وليد جنبلاط، الذي يرى اليوم أن تحصين البيت الداخلي وإغلاق أي كوات قد ينفذ منها تأثير الشيخ طريف، هو الممر الإلزامي لضمان انتقال هذا الإرث بشكل سلس وهادئ إلى تيمور جنبلاط.

يشير البعض إلى أن طيف طريف هو الذي يحكم مواقف جنبلاط ويدفعه نحو البحث عن شبكة أمان جديدة من خلال التموضع ضمن معادلة سورية – تركية مستجدة يرى أنها ستكون عنصر التوازن الجديد في الصراع في إسرائيل على صعيد المنطقة، بهدف تسييج الحصون الداخلية. من خلال هذه المقاربة “القلقة” يمكن فهم غزله المتكرر بـ”العثمانية”، وتصويبه الحاد على نظرية “تحالف الأقليات”، لكن اللافت هو حنينه المستجد إلى انتفاضة “6 شباط”. فذاك الانقلاب جسد تحالفًا علويًا شيعيًا درزيًا ضد الأكثرية السنيّة، قبل أن تدفع السعودية برفيق الحريري إلى الساحة كلاعب استثنائي يمكنه إحداث التوازن المطلوب. وهذا ما أقر به بنفسه خلال حلقات برنامج “شاهد على العصر”.

عمومًا، ورغم أن مفاعيل “6 شباط” بقيت مستمرة في عملية تشكيل السلطة في لبنان وتوازناتها الحاكمة حتى الأمس، إلا أن الهجوم الجنبلاطي على أركان صناعة القرار الجدد في الدولة، واتهامهم بالنزعة السلطوية، يبدو نابعًا من شعور ضمني بالإقصاء. فهي المرة الأولى ربما التي يغدو فيها جنبلاط شريكًا ثانويًا وليس أساسيًا في القرار الاستراتيجي والسياسي للبلاد، رغم الحفاظ على استمرارية مصالحه ونفوذه عبر التعيينات وغيرها.

ومع ذلك، فإن التصويب على “الطائف” من قبل الرجل الذي لعب دور رأس الحربة في “14 آذار” ليس تفصيلا، إذ يتقاطع مع تصويب جماعي ضد السعودية يحمل بصمة انقلابية، يشمل حركة التفافية يقودها الرئيس نبيه بري، ونزعة خصومة حريرية بدأت تظهر بنمط متدرج، ومحاولة تأليب الجيش ضد السلطة.

لكن من قال إن السعودية يمكن أن تكون خارج المعادلة السورية – التركية الجديدة؟ مشروع المملكة في لبنان والمنطقة طويل الأمد، ومخطئ من يظن أنها يمكن أن تنسحب استراتيجيًا أوسياسيًا تحت الضغط، أو تقدم تنازلات تعيد إنتاج سلطة “6 شباط” بهوية جديدة.

سامر زريق – نداء الوطن

مقالات ذات صلة