اتفاق تحت النار.. لبنان بين “تسوية واشنطن” واحتمال الانفجار الداخلي؟

يشهد لبنان ردود فعل متباينة عقب توقيع إسرائيل ولبنان، يوم الجمعة في واشنطن، اتفاقًا أوليًا يهدف إلى إرساء سلام دائم بين الجانبين، وبينما خرج محتجّون إلى الشارع في بيروت رفضًا للاتفاق، فإن آخرين رحّبوا به باعتباره خطوة لتعزيز سيادة الدولة وتقليص نفوذ إيران داخل البلاد، وفقًا لـ”نيويورك تايمز”.
وقال مؤيدو الاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة إنه يهدف إلى الحد من النفوذ الإيراني في لبنان، ويمهّد لمسار يؤدي إلى نزع سلاح جماعة حزب الله المدعومة من طهران، إضافة إلى تأكيد سيادة الدولة اللبنانية على أمنها الداخلي.
في المقابل، رفض حزب الله وأطراف أخرى الإطار الجديد، واعتبروه تنازلًا أمام مطالب إسرائيلية وأمريكية قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية في لبنان.
وينص الاتفاق على ترتيبات أمنية مرحلية تتولى بموجبها القوات المسلحة اللبنانية تدريجيًا السيطرة على كامل الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية، مثل حزب الله، وتفكيك بنيتها العسكرية، فيما تنفذ القوات الإسرائيلية انسحابًا تدريجيًا من مناطق داخل الأراضي اللبنانية تتجاوز ستة أميال، كانت سيطرت عليها منذ مطلع مارس.
وفي المقابل، شهدت العاصمة بيروت، مساء الجمعة، تظاهرات شارك فيها محتجون، معظمهم من المؤيدين لحزب الله، حيث رفعوا الأعلام الصفراء للجماعة، ونددوا بالحكومة، وفق ما أظهرته لقطات بثتها وسائل التواصل الاجتماعي ونقلتها الوكالة الوطنية للإعلام، وتضمنت مشاهد لشبان على دراجات نارية ومركبات خفيفة يغلقون الطرق ويحرقون الإطارات ويتجمعون قرب مقر الحكومة.
وقال عباس قاسم، وهو من بلدة بلاط في جنوبي لبنان، والتي تحتلها إسرائيل منذ أشهر، إن الاتفاق “مشين”، مضيفًا أن إسرائيل “تُمنح حرية الحركة والقدرة على اتخاذ ما تشاء من قرارات في الجنوب”.
وأحد أبرز الانتقادات الموجهة للاتفاق أن جدول انسحاب إسرائيل غير محدد زمنيًا، ويرتبط بوتيرة نزع سلاح حزب الله.
وفي ظل هذا التطور، تعكس المشاهد في بيروت حجم الانقسام الداخلي، في وقت يعيش فيه لبنان حالة من الاشتباك المستمر منذ أكثر من ثلاثة أشهر على الحدود مع إسرائيل، وهو ما فاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية، وأدى إلى نزوح أكثر من مليون شخص، وسط مخاوف من أن تؤدي جهود الجيش اللبناني لنزع سلاح حزب الله إلى مزيد من عدم الاستقرار أو حتى اندلاع حرب أهلية.
وقال رئيس الوزراء نواف سلام في بيان إن الإطار يستند إلى اتفاقات لبنانية قائمة وقرارات للأمم المتحدة، وإن هدفه النهائي هو “تحقيق انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية، واستعادة سيادة الدولة عليها، وتمكين السكان من العودة”.
وفي المقابل، أعلنت وكالة الدولة اللبنانية أن الوضع لا يزال هشًا، في إشارة إلى صعوبة تحويل المسار الدبلوماسي إلى استقرار ميداني، حيث أفادت بأن طائرة مسيّرة إسرائيلية استهدفت تقاطعًا في جنوب لبنان بعد أقل من 24 ساعة على إعلان الاتفاق.
وجاء “الإطار الثلاثي” بعد جولات تفاوض متعددة بين الجانبين بدأت في أبريل، بوساطة أمريكية، فيما يشير الاتفاق إلى أن الحرب في لبنان هددت بتعطيل مفاوضات أوسع بين إيران والولايات المتحدة، بالنظر إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن شمل أيضًا إنهاء القتال في لبنان.
وينص الاتفاق على تحديد منطقتين تجريبيتين أوليين للانسحاب الإسرائيلي، مع اختيار مناطق أخرى لاحقًا عبر اتفاق مشترك، كما اتفق الجانبان على إنشاء مجموعة تنسيق عسكرية بإشراف الولايات المتحدة.
من جهته، انتقد أمين عام حزب الله نعيم قاسم الاتفاق بشدة، واصفًا إياه بأنه “مهين ومخزٍ واستسلام للسيادة”، معلنًا رفضه الكامل له، ومعتبرًا أن ربط انسحاب إسرائيل بنزع سلاح الحزب “اقتراح خطير يتجاوز كل الخطوط الحمراء”.
وأكد أن سلاح الجماعة ضروري للردع ضد إسرائيل، مضيفًا: “لا يحق لأحد حرمان اللبنانيين من حق الدفاع عن أنفسهم وعن أرضهم”.
وفي سياق متصل، أعلنت الولايات المتحدة أنها ستعمل على حشد دعم دولي لإعادة إعمار لبنان وإنعاش اقتصاده، فيما قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن بلاده ستقدم مساعدات إنسانية فورية بقيمة 100 مليون دولار بالتنسيق مع الأمم المتحدة.
وعقب التوقيع، أعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون دعمه القوي للاتفاق، واصفًا إياه بأنه خطوة أولى نحو استعادة السيادة الكاملة وتمكين النازحين من العودة إلى جنوبي البلاد، مضيفًا أن ذلك “ما يجمع عليه كل لبناني حر ومسؤول وشريف”.
في المقابل، عبّر بعض اللبنانيين عن عدم تفاؤلهم بالاتفاق، معتبرين أنه لا يحظى بثقة الأطراف كافة، وأنه قد يؤدي فقط إلى تأجيل عودة القتال دون معالجة جوهرية للأزمة؛ إذ قال رجل الأعمال إلياس ياغي من بيروت إن “الاتفاق غير قابل للتطبيق، والجميع يشتري الوقت، ولم يتغير شيء”.
erem news



