هل يلقى الاتفاق الاطاري مصير 17 أيار أم ينهي الصراع؟

استعرض مقال نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية الخلفيات التاريخية والقانونية للصراع بين لبنان وإسرائيل، معتبراً أن الإطار الثلاثي الموقّع بين الجانبين برعاية الولايات المتحدة قد يشكّل فرصة لإنهاء حالة الحرب رسمياً بعد نحو 78 عاماً.
سلّطت التطورات الأخيرة المتعلقة بالإطار الثلاثي الموقع بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة الضوء على مستقبل العلاقة بين البلدين، وما إذا كانت هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام مرحلة سياسية وأمنية جديدة بعد عقود من الصراع والتوتر على الحدود.
وفي هذا السياق، رأى مقال نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية أن الإطار الثلاثي الموقع بين إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة قد يشكل أول فرصة واقعية منذ عقود لإنهاء حالة الحرب رسمياً بين البلدين، معتبراً أن الوثيقة لا تكتفي بوقف القتال، بل تتضمن إعلاناً مشتركاً عن نية إنهاء الصراع ومعالجة أسبابه، وهو ما وصفه بأنه تطور غير مسبوق.
محطات تاريخية في الصراع
وأشار المقال إلى أن التاريخ يحتفظ بمحطات مفصلية أنهت نزاعات كبرى، مثل الثامن من أيار/مايو الذي بات يعرف بيوم النصر في أوروبا مع سقوط ألمانيا النازية، والحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر الذي أصبح يوم الهدنة بعد توقف الحرب العالمية الأولى، إضافة إلى اتفاق الجمعة العظيمة الذي وضع حداً لثلاثة عقود من الاضطرابات في أيرلندا الشمالية.
وأضاف أن بعض الحروب لا تنتهي بمراسم استسلام أو معاهدات سلام أو احتفالات بالنصر، بل تستمر في الخلفية حتى ينسى كثيرون أنها ما زالت قائمة من الناحية الرسمية، معتبراً أن هذا ينطبق على العلاقة بين إسرائيل ولبنان.
ولفت المقال إلى أن الإسرائيليين عاشوا على مدى نحو ثمانية عقود وهم يعتبرون الحدود الشمالية جبهة مواجهة دائمة، حيث نشأت أجيال على وقع صواريخ الكاتيوشا والمنطقة الأمنية في جنوب لبنان وهجمات حزب الله والملاجئ في كريات شمونة، في حين شهد لبنان غزوات واحتلالاً وحرباً أهلية وصعود حزب الله الذي وصفه بأنه من أكثر التنظيمات المسلحة تسليحاً في العالم.
حرب بدأت عام 1948
وأشار المقال إلى أن إسرائيل ولبنان بقيا، من الناحية القانونية، في حالة حرب منذ أيار/مايو 1948.
وأوضح أن لبنان كان يمتلك أصغر جيش بين الدول العربية المجاورة عندما أعلنت إسرائيل استقلالها في 14 أيار/مايو 1948، إذ كان قوامه نحو 3500 جندي، مضيفاً أنه، وبتشجيع من دول جامعة الدول العربية، أرسلت بيروت نحو ألف جندي للمشاركة في الحرب ضد الدولة اليهودية الجديدة بعد انتهاء الانتداب البريطاني في 15 أيار/مايو.
وأضاف المقال أنه في اليوم التالي انضم لبنان إلى مصر وسوريا وشرق الأردن والعراق في إعلان الحرب على إسرائيل، إيذاناً باندلاع الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، حيث دخلت القوات اللبنانية منطقة الجليل إلى جانب الجيوش العربية الأخرى، قبل أن تتمكن القوات الإسرائيلية من صدها، ثم سيطرت لفترة وجيزة على أجزاء من جنوب لبنان قبل أن تنسحب منها.
هدنة أنهت القتال ولم تحقق السلام
وأشار المقال إلى أنه في 23 آذار/مارس 1949 وقّع لبنان وإسرائيل اتفاقية هدنة عامة برعاية الأمم المتحدة، موضحاً أن الاتفاق، كما هو الحال مع بقية اتفاقيات الهدنة التي وقعتها إسرائيل مع الدول العربية المجاورة، أوقف القتال لكنه لم يؤسس للسلام.
وأضاف أن الاتفاق ترك الصراع الأوسع من دون حل، بما في ذلك قضية الحدود الدائمة، الأمر الذي أبقى البلدين، من الناحية القانونية، في حالة حرب رغم توقف الأعمال العسكرية.
ولفت المقال إلى أن هذه الحالة تختلف عن معاهدتي السلام اللتين وقعتهما إسرائيل لاحقاً مع مصر عام 1979 والأردن عام 1994، إذ لم يتبع اتفاق الهدنة مع لبنان أي اتفاق سياسي ينهي النزاع.
اللاجئون الفلسطينيون وتغير المشهد اللبناني
وأشار المقال إلى أن حرب عام 1948 غيّرت أيضاً الواقع الداخلي في لبنان، موضحاً أن مئات آلاف الفلسطينيين نزحوا أو فروا خلال الحرب، واستقر نحو 110 آلاف منهم في لبنان بحلول عام 1949، وفق تقديرات الأمم المتحدة.
وأضاف أن معظمهم أقيموا في مخيمات للاجئين تديرها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
وأوضح المقال أن الحكومات اللبنانية المتعاقبة فرضت قيوداً صارمة على عمل اللاجئين الفلسطينيين وتنقلهم ومشاركتهم السياسية، خشية أن يؤدي وجودهم، باعتبار أن غالبيتهم من المسلمين، إلى الإخلال بالتوازن الطائفي الدقيق في البلاد.
وأضاف أن عدداً من تلك المخيمات اكتسب مع مرور الوقت قدراً من الاستقلالية، وتحول لاحقاً إلى ساحة رئيسية لتجنيد المنظمات الفلسطينية المسلحة.
عقود من الاضطرابات ومحاولة سلام لم تكتمل
وأشار المقال إلى أن لبنان عرف على مدى عقود حالة من عدم الاستقرار الداخلي والتحديات الخارجية، موضحاً أن نظامه السياسي القائم على توازن دقيق بين المسيحيين والسنة والشيعة تعرض لاختبارات متكررة بسبب الحرب الأهلية، وصعود الفصائل الفلسطينية المسلحة خلال سبعينيات القرن الماضي، والهيمنة السورية، ثم ظهور حزب الله باعتباره القوة المسلحة الأبرز في البلاد.
وأضاف أن تلك المرحلة شهدت محاولة واحدة للتوصل إلى سلام بين لبنان وإسرائيل، وذلك عام 1983 عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان وطرد منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت.
وأشار المقال إلى أن البلدين وقعا حينها اتفاق 17 أيار، الذي نص صراحة على أن “حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل قد انتهت ولم تعد قائمة”، مشيرا الى أن الضغوط السورية، والانقسامات السياسية الداخلية في لبنان، وتنامي نفوذ الجماعات الشيعية، حالت دون دخول الاتفاق حيز التنفيذ، لينهار بعد أقل من عام، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع تزامنت مع ظهور حزب الله.
من انسحاب الـ2000 إلى الإطار الثلاثي
وأشار المقال إلى أن جميع التطورات التي تلت ذلك، بدءاً من إقامة المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، مروراً بالانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000، ثم حرب لبنان الثانية عام 2006، واستمرار تعاظم القوة العسكرية لحزب الله، وصولاً إلى الحرب التي اندلعت بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، جرت بين دولتين بقيتا، من الناحية الرسمية، في حالة حرب.
وأضاف أن هذا الواقع يمنح أهمية خاصة لجملة وردت في الإطار الثلاثي الموقع يوم الجمعة بين إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة، معتبراً أنها تستحق اهتماماً أكبر مما حظيت به.
إعلان مشترك بشأن إنهاء الصراع
وأشار المقال إلى أن البند الأول من الاتفاق ينص على أن “إسرائيل ولبنان يؤكدان حق كل دولة في الوجود بسلام، ورغبتهما المشتركة في العيش بأمن بوصفهما دولتين جارتين تتمتعان بالسيادة. وتعلن إسرائيل ولبنان بموجب هذا عزمهما على إنهاء الصراع بصورة نهائية، ومعالجة أسبابه الجذرية، وبالتالي إنهاء أي حالة حرب بينهما بشكل رسمي”.
وأضاف أن الحكومتين تعلنان، في البند الأول من الوثيقة، عزمهما “إنهاء الصراع بصورة نهائية” و”إنهاء أي حالة حرب بينهما بشكل رسمي”.
ورأى المقال أن هذه هي المرة الأولى منذ أكثر من أربعة عقود، وربما أول فرصة واقعية منذ عام 1949، التي يعلن فيها لبنان وإسرائيل بشكل مشترك أن إنهاء حالة الحرب نفسها يمثل هدفاً يسعيان إلى تحقيقه.
تنفيذ الاتفاق مرتبط بشروط
وأشار المقال إلى أن الإطار الجديد لا يزال يعتمد على تفكيك حزب الله كقوة عسكرية، وبسط القوات المسلحة اللبنانية سيطرتها على جنوب البلاد، وتنفيذ الحكومتين للالتزامات الواردة في الاتفاق، وهي خطوات اعتبر أنها ستواجه تحديات سياسية وأمنية كبيرة.
وأضاف أن حزب الله لا يزال يحتفظ بسلاحه، كما أن النفوذ الإيراني في لبنان لم يختفِ، معتبراً أن التشكيك في إمكانية نجاح الاتفاق، ولا سيما داخل إسرائيل، يبقى أمراً مفهوماً.
ولفت المقال إلى أنه لا ينبغي تجاهل أن آخر محاولة لإنهاء الصراع رسمياً انتهت بالفشل، في إشارة إلى اتفاق عام 1983، إلا أنه اعتبر أن ذلك لا يقلل من أهمية ما وصفه بأنه أول إعلان مكتوب من نوعه بعد نحو ثمانية عقود من الحرب.
اختلاف عن اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة
وأشار المقال إلى أن اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة بين إسرائيل ولبنان كانت تركز على إنهاء الجولة الأخيرة من القتال، بينما يختلف الإطار الجديد، بحسب وصفه، لأنه يحدد الصراع نفسه باعتباره المشكلة التي يجب معالجتها وإنهاؤها.
وأضاف أن هناك احتمالاً بأن يواجه هذا المسار المصير نفسه الذي واجهته محاولة إنهاء الحرب عام 1983، إلا أنه اعتبر أن أهمية الاتفاق تكمن في أن لبنان وإسرائيل أعلنا، للمرة الأولى منذ صمتت المدافع عام 1949، عزمهما إنهاء حالة الحرب بينهما رسمياً.
78 عاماً من الصراع
وأشار المقال إلى أن حالة الحرب بين البلدين استمرت على مدى 78 عاماً، وشهدت غزوات واحتلالاً وأعمالاً إرهابية، على حد وصفه، واتفاقات لوقف إطلاق النار ومبادرات سلام وجولات متكررة من تبادل إطلاق النار عبر الحدود، حتى أصبحت، بحسب تعبيره، حالة طويلة الأمد دفعت كثيرين إلى نسيان أنها ما زالت قائمة من الناحية الرسمية.
واختتم المقال بالقول إن نجاح الإطار الموقع يوم الجمعة في تحقيق سلام دائم لا يزال رهناً بالتطورات المقبلة، إلا أن إعلان حكومتي لبنان وإسرائيل، اللتين ظلتا رسمياً في حالة عداء منذ عام 1948، عزمهما إنهاء تلك الحرب، يعني، بحسب الصحيفة، أن “عجلة التاريخ بدأت بالفعل تتحرك”.
euro news



