🟠كلفة التّفاوض “تَكبر”: اسرائيل ترمي معادلة صعبة جدّاً على الطاولة!

كلفة التّفاوض “تَكبر”
أدّت الخلافات العميقة بين الوفدين المفاوضين اللبنانيّ والإسرائيليّ، برعاية أميركيّة، في واشنطن إلى تمديد “ثلاثيّة” الجولة الخامسة للتفاوض يوماً إضافيّاً. سلكت النقاشات في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة مساراً ضبابيّاً بالكامل مع تدهور الوضع الأمنيّ في الجنوب مجدّداً، وصولاً إلى تجدّد الغارات الإسرائيليّة بقصف طال عدّة بلدات جنوبيّة، في ظلّ التزام “الحزب”، “حتّى الآن”، كما تفيد بياناته، وقف إطلاق النار. لكن في اليوم الرابع لجولة التفاوض، أعلن عن اتفاق إطار مشترك بين الطرفين، مهٌدت له بعبدا عبر تأكيد مصادرها بحصول “تفهٌم أميركي لمطالب لبنان، انعكس ضغطاً أميركياً على إسرائيل للسير بالاتفاق”.
منذ اليوم الأوّل لدخول اتّفاق إسلام آباد حيّز التنفيذ، في بنده الأوّل “اللبنانيّ” لجهة وقف النار الشامل، لم تلتزمه إسرائيل وأبقت على حرّيّة حركة أتاحت لها استهداف عناصر من “الحزب” ومدنيّين، وتفجير منازل، مع معطيات تسرّبت عن محاولات تقدّم إسرائيليّة جديدة باتّجاه مرتفعات عليّ الطاهر، وعلى أطراف بنت جبيل.
استمرّت إسرائيل فعليّاً في سياسة الضغط المتوازي على الأرض وعلى طاولة التفاوض. وبنتيجتها رفضت، وفق المعلومات، سلّة خيارات قدّمها المفاوض اللبنانيّ لما يُعرف بـ”المناطق التجريبيّة”. وهي تسمية سارع القصر الجمهوريّ لاحقاً إلى استبدالها بـ”المناطق النموذجيّة” بعدما أتى وقعها سلبيّاً جدّاً عند الرئيس نبيه برّي و”الحزب”، لكنّ النتيجة كانت واحدة: تمسّكت إسرائيل بمعادلة سلاح “الحزب” أوّلاً ثمّ الانسحاب. وفي أيّ نقطة أو منطقة يمكن الاتّفاق على أن تكون “منطقة تجريبيّة” كان الإسرائيليّ يشترط تنسيقاً بينه وبين الجيش اللبنانيّ للتحقّق من “تنظيف” بقعة الاختبار تمهيداً لانسحاب إسرائيل منها وانتشار الجيش. لاحقاً قادت المفاوضات إلى ما اختصره رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بالاتي: “إسرائيل ستبقى في الحزام الأمني بجنوب لبنان طالما لم يُنزع سلاح الحزب”.
عطبان في التّفاوض
قبل أن ينطلق السفير سيمون كرم مع الوفد المرافق العسكريّ إلى واشنطن كانت له سلسلة لقاءات بعيدة من الأضواء كشفت عن عطبين كبيرين في مسار التفاوض:
1- بنيامين نتنياهو “يُشارك غصباً عنه في المفاوضات، ويرفض أصلاً أيّ تسوية لا تحقّق مصالحه بالكامل”.
2- “لبنان طرف خاسر في الحرب، ولا مجال كبيراً لديه للمناورة. لا أوراق قوّة بيدنا، باستثناء فرض إعلان مبادئ أو نيّات، بدعم أميركيّ، يُمهّد لانسحاب تدريجيّ ومتزامن بين إسرائيل و”الحزب”، وانتشار الجيش”، مع تشديد كرم على نقطة أساسيّة: “مسارنا مستقلّ عن المسار الأميركيّ – الإيرانيّ”، وهي رغبة تدحضها تطوّرات الملفّ من إسلام آباد إلى سويسرا وواشنطن.
المناطق التّجريبيّة
أطلق رئيس الجمهوريّة جوزف عون النقاش من بابه الأوسع في شأن “المناطق التجريبيّة” في الرابع من حزيران، عقب جولة التفاوض الرابعة في 2 و3 حزيران، حين كَشَف عن اقتراح لبنانيّ أن “تكون البداية من زوطر الشرقيّة والغربيّة ويحمر وقلعة الشقيف نظراً إلى رمزيّة المنطقة وقربها من مدينة النبطيّة”.
قبل ذلك، اقترح عون بداية نموذج بنت جبيل (جنوب الليطاني)، لكنّ التقدّم الإسرائيليّ باتّجاه النبطيّة من محور كفرتبنيت – عليّ الطاهر دفعه إلى تغيير المقترح باتّجاه المنطقة المحاذية للنبطيّة، أي شمال الليطاني، في محاولة لمنع التقدّم الإسرائيليّ.
هذا ما يدحض تسريبات تحدّثت عن رفض لبنانيّ لبدء الانسحاب من بقعة هي خارج شمال الليطاني. تكمن العقدة الفعليّة في آليّة الانسحاب، ومحاولة تل أبيب فرض الوجود المتزامن للجيشين اللبنانيّ والإسرائيليّ في البقعة نفسها، إضافة إلى مسألة عودة النازحين مع بروز توجّه إسرائيليّ لإجراء filtrage لهذه العودة بوضع خطوط حمر أمام عودة مقاتلي “الحزب”.
وفق المعلومات، لم يرفض الإسرائيليّ منطق “المناطق التجريبيّة”، لكنّ آليّة تنفيذها عكست خلافاً شاسعاً مع الوفد اللبنانيّ، إضافة إلى تحديد بقعة الانسحاب الأولى التي سيتمّ الاتّفاق عليها، لا سيّما أنّ الإسرائيليّ يشترط تنسيقاً مباشراً مع الجيش اللبناني يُدرَج ضمن بنود أيّ اتّفاق مقبل مع لبنان، ولا يبقى ضمن إعلان نيّات وحسب، وهو ما يرفضه تماماً الوفد العسكريّ اللبنانيّ.
يرفض لبنان أيضاً التعامل مع نموذج الدخول إلى منطقة لا احتلال إسرائيليّاً مباشراً فيها بل سيطرة عسكريّة فقط، وتطبيق شروط “المنطقة التجريبيّة” عليها، إضافة إلى رفضه الشروط الإسرائيليّة في ما يخصّ السيطرة العسكريّة للجيش على مرتفع عليّ الطاهر. هذا الاشتباك في الاقتراحات، انتهى باتفاق مبدئي على اعتماد “منطقتين تجربيتيٌن” ستكونان حتماً تحت الاختبار في الأيام المقبلة.
السّلاح ثمّ الانسحاب
تقول المعلومات إنّ اليوم الثالث للتفاوض في واشنطن شهد تصلّباً إسرائيليّاً أكبر تمثّل في رمي معادلة صعبة جدّاً على طاولة التفاوض: “السلاح ثمّ الانسحاب”، فيما كان يدفع الوفد اللبنانيّ باتّجاه تقديم خيارات متعدّدة للمناطق “النموذجيّة”.
كلّ من هو على تماسّ مع غرفة عمليّات القصر الجمهوريّ المُواكِبة لمفاوضات واشنطن، إضافة إلى جلسة 29 أيّار بين الوفدين العسكريَّين اللبنانيّ والإسرائيليّ في البنتاغون، يُسلّم بـ”قساوة الشروط التي يحاول الطرف الإسرائيليّ فرضها، والتي يصعب تقبّلها”. لكنّ الخطاب الرسمي من بعبدا يُحاذر دوماً الإضاءة على هذه النقطاط السلبيّة جدّاً من زاوية حماية مسار التفاوض.
“الحزب”: نلتزم اتّفاق 27 تشرين الثّاني
حتّى ما قبل صدور بيان إعلان النيّات، كانت هناك عقبة أساسيّة تعترض الوفدين اللبنانيّ والإسرائيليّ، وهي موقف “الحزب” الرافض لأيّ ترتيبات أمنيّة تشمل أيّ بقعة خارج جنوب الليطاني التزاماً منه بمندرجات اتّفاق 27 تشرين الثاني 2024، الذي ذكّر به الأمين العامّ لـ”الحزب” نعيم قاسم أمس.
أمّا المعضلة الكبرى للبنان فتمثّلت، ولا تزال، بالإصرار الإسرائيليّ على البقاء في المنطقة العازلة الأمنيّة، من دون أن يقبل بإدراجها ضمن السيناريوات المقترحة من لبنان في سياق الانسحاب الشامل، على أن يرتبط التفاوض عليها لاحقاً بنزع سلاح “الحزب” من كلّ لبنان.
لم يشهد التصوّر اللبنانيّ – الإسرائيليّ المشترك تقدّماً يُذكر على مستوى تحديد برنامج الانسحاب كاملاً، وتحديد بقعته الأولى، والإطار التنفيذيّ الذي سيواكبه من جانب ثلاثيّة إسرائيل – الجيش – “الحزب”. هذا مع العلم أنّ كلّ أفرقاء الصراع، وأوّلهم واشنطن وطهران، ملزمون بمهلة الـ60 يوماً في شأن تنفيذ بنود مذكّرة التفاهم التي حدّدها اتّفاق إسلام آباد و”القابلة للتمديد”.
ملاك عقيل- اساس



