🟠هل تُشترى الثقة بـ”الإقامة الذهبية”؟

عاد إلى الواجهة أخيراً مشروع منح “الإقامة الذهبية” للمستثمر الأجنبي مقابل استثمار بقيمة 500 ألف دولار، في محاولة لإعادة جذب الرساميل إلى لبنان وتحفيز النشاط الاقتصادي. لكن خلف هذا الطرح يبرز سؤال أكثر عمقاً من قيمة الاستثمار نفسها: ماذا يشتري المستثمر الأجنبي فعلياً عندما يقرّر الإقامة أو توظيف أمواله في لبنان؟

في عالم الأعمال، لا تكفي الإقامة ولا الحوافز الإدارية وحدها لجذب المستثمرين. فالاستثمار يقوم أولاً وأخيراً على الثقة؛ والثقة لا تُمنح بقرار إداري، بل تُبنى على استقرار اقتصادي وسياسي، مؤسسات فاعلة، بُنية تحتية حديثة، وقضاء قادر على حماية الحقوق والعقود. وهي مقوّمات لا يزال لبنان يواجه تحدّيات كبيرة في توفيرها.

فعلى مستوى الخدمات الأساسية، لا تزال الكهرباء تشكّل أحد أبرز مظاهر الأزمة، إذ تقتصر التغذية الرسمية على ساعات محدودة يومياً. وتُضاف إلى ذلك أزمات المياه والإنترنت والنفايات، في مشهد يعكس ضعف قدرة الدولة على إدارة الموارد العامة.

أمّا اقتصادياً، فلا يزال لبنان يدفع ثمن واحدة من أعنف الأزمات المالية التي شهدها العالم في العقود الأخيرة. فالتضخّم المرتفع، ضعف النمو، والعجز عن خلق فرص عمل كافية، تدفع آلاف الشباب اللبنانيّين من أصحاب الكفاءات والشهادات إلى الهجرة سنوياً. وهنا تبرز مفارقة لافتة: بلد يكافح للاحتفاظ بموارده البشرية يسعى في الوقت نفسه إلى استقطاب مستثمرين أجانب للإقامة فيه.

وفي القطاع المصرفي، لا تزال الأزمة أكثر تعقيداً. فبعد سنوات على الانهيار المالي، لم تُنجَز بعد إعادة هيكلة شاملة للمصارف، فيما تواجه بعض المؤسسات المصرفية مخاطر التصفية أو الحاجة إلى إعادة رسملة واسعة. والأهم، أنّ الثقة بالقطاع المصرفي لم تستعد عافيتها، بعدما بقي المودعون، لبنانيّون وأجانب على حدّ سواء، عاجزين عن الوصول إلى جزء كبير من ودائعهم المحتجزة منذ سنوات.

هذا الواقع دفع الاقتصاد اللبناني إلى الاعتماد بصورة متزايدة على النقد الورقي، فبات “الاقتصاد النقدي” يشكّل نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي، في واحدة من أعلى النسب عالمياً، ما يعكس حجم التراجع في الثقة بالنظام المالي واتساع الاقتصاد غير الرسمي.

ولا تقتصر التحدّيات على الداخل فحسب. فلبنان لا يزال مدرجاً على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، ما يفرض تدقيقاً إضافياً على التعاملات المالية المرتبطة به ويؤثر في صورته أمام المستثمرين والمؤسسات الدولية. كما يصنَّف ضمن أكثر الدول معاناة من الفساد، الأمر الذي يرفع مستوى المخاطر التي يأخذها المستثمرون في الاعتبار، قبل اتخاذ أي قرار استثماري.

وفي ملف الإصلاحات، لا تبدو الصورة أكثر اطمئناناً. فبعد أكثر من 6 سنوات على اندلاع الأزمة، لا يزال الاتفاق النهائي مع صندوق النقد الدولي بعيد المنال، فيما تتعثر الإصلاحات الأساسية بفعل تضارب المصالح ووجود مراكز نفوذ تعرقل إقرار القوانين المطلوبة.

وتزداد المخاوف عندما تتحوَّل مسألة حماية الاستثمار إلى نزاع فعلي بسبب إخفاقات قضائية في حماية الاستثمارات، ممّا يثير تساؤلات جدّية لدى أي مستثمر يدرس دخول السوق اللبنانية.

أمام هذه الوقائع، يصبح من المشروع التساؤل حول الفئة التي يمكن أن تستقطبها “الإقامة الذهبية”. فالمستثمر التقليدي الذي يبحث عن استقرار طويل الأمد، خدمات موثوقة، نظام مصرفي متين، وقضاء فعّال، قد يجد صعوبة في تبرير ضخ استثمارات كبيرة في البيئة اللبنانية الحالية. في المقابل، قد تستقطب هذه البرامج شريحة محدَّدة من أصحاب الثروات الباحثين عن مزايا تنظيمية أو ضريبية معيّنة، أكثر من بحثهم عن اقتصاد منتج ومستقر.

في المحصلة، لا يشتري المستثمر الأجنبي إقامة أو عقاراً بقيمة 500 ألف دولار فقط، بل يشتري الثقة بمستقبل بلد كامل. ومن دون إصلاحات حقيقية تعيد بناء هذه الثقة، قد تبقى “الإقامة الذهبية” عنواناً جذاباً على الورق، لكنّها عاجزة عن تحقيق الأهداف الاقتصادية والتنموية التي يُفترض أن تقوم من أجلها.

الجمهورية

مقالات ذات صلة