🟠خاص- بعد «المسائية»… لماذا تحوّل أحمد طه إلى حالة إعلامية؟

رحاب ضاهر
لم يكن إعلان الإعلامي المصري أحمد طه انتهاء برنامج “المسائية” على شاشة “الجزيرة مباشر” مجرد خبر عابر في دورة الأخبار اليومية. فخلال ساعات، تحوّل الإعلان إلى مادة نقاش واسعة بين إعلاميين ومتابعين، وذهب البعض إلى الاعتقاد بأن واحداً من أبرز وجوه الجزيرة في السنوات الأخيرة يغادر المشهد. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ إذ لم يودّع طه الشبكة، بل طوى صفحة برنامج ليستعد لمرحلة جديدة داخلها.
ويكشف حجم التفاعل مع الخبر عن حقيقة أبعد من مصير برنامج تلفزيوني. فالرجل الذي بدأ كواحد من مقدمي البرامج السياسية، تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى نموذج إعلامي يحظى بمتابعة خاصة في العالم العربي، ليس بسبب صوته المرتفع أو حضوره الاستعراضي، بل لأنه قدّم شيئاً بات نادراً على الشاشات: السؤال الدقيق في زمن الضجيج.
من المذيع الصدامي إلى المذيع الذي يسأل أفضل
في وقت اعتادت فيه الشاشات العربية على الحوارات الصاخبة والمواجهات التي يتحول فيها المذيع إلى طرف في النقاش، اختار أحمد طه مساراً مختلفاً. لم يبنِ حضوره على المقاطعات المتكررة أو الانفعالات الحادة، بل على ما يمكن تسميته “الضغط الهادئ”، حيث يتحول السؤال نفسه إلى أداة مساءلة أقوى من أي مواجهة مباشرة.
فهو لا يهاجم الضيف بقدر ما يتركه في مواجهة تناقضاته، ولا يرفع صوته بقدر ما يصر على الحصول على إجابة واضحة. لذلك بدت كثير من مقابلاته أقرب إلى اختبارات للخطاب السياسي منها إلى سجالات تلفزيونية.

حين صنعت السوشيال ميديا نجومية السؤال
ساهمت المنصات الرقمية في توسيع حضور أحمد طه خارج إطار البث التقليدي. فالمقاطع الأكثر تداولاً لم تكن لحظات صراخ أو اشتباك، بل لحظات بدا فيها الضيف محاصراً بسؤال مباشر ودقيق يصعب تجاوزه أو الالتفاف عليه.
هذا النوع من “الإحراج الهادئ” وجد طريقه سريعاً إلى جمهور واسع، خصوصاً في لبنان والسودان، حيث تحوّلت بعض المقاطع إلى مواد متداولة بكثافة، ليس لأن المذيع انتصر على ضيفه، بل لأن المشاهد شعر أن الأسئلة التي تُطرح هي نفسها الأسئلة التي يريد طرحها.
أبرز المواقف التي حصدت إعجاباً
لم يكن حضور أحمد طه نتاج أسلوب نظري في إدارة الحوار، بل ترسّخ عبر مواقف عملية تحولت إلى مقاطع واسعة الانتشار على المنصات الرقمية. ففي الملف السوداني، لفت الأنظار خلال مقابلاته مع ممثلين عن قوات الدعم السريع، حيث وجّه أسئلة مباشرة حول مسؤوليات الحرب وتداعياتها على المدنيين، رافضاً الاكتفاء بالروايات الجاهزة أو الخطابات السياسية المعتادة.
وخلال الحرب على غزة، برز اسمه في عدد من الحوارات مع مسؤولين وخبراء إسرائيليين، وكان من أبرزها مواجهته مستشاراً سابقاً في وزارة الدفاع الإسرائيلية بسؤال مباشر: «من أنتم؟»، في لحظة أعادت توجيه النقاش من المبررات السياسية إلى مساءلة الرواية الإسرائيلية نفسها، وحصدت تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل.
أما في لبنان، فقد انتشرت له أكثر من مواجهة حوارية لاقت صدى لدى الجمهور، من بينها سؤاله أحد مسؤولي القوات اللبنانية عن الفرق بين الاعتراض على سلاح حزب الله الإيراني وتاريخ حصول القوات اللبنانية على دعم وتسليح إسرائيلي خلال الحرب الأهلية. كما أثارت مقابلته مع رئيس حزب الكتائب سامي الجميّل اهتماماً واسعاً عندما واجهه بتصريحات معلنة لمسؤولين إسرائيليين حول لبنان، داعياً إلى مقاربة هذه المواقف انطلاقاً من الوقائع المعلنة لا من التقديرات السياسية فقط.
وما منح هذه اللحظات تأثيرها لم يكن ارتفاع النبرة أو السجال، بل العكس تماماً. فقد بدا أحمد طه في معظمها هادئاً وهو يضيّق مساحة المناورة أمام ضيوفه بسؤال واحد دقيق، أو بمعلومة موثقة، أو بتصريح سابق يصعب التنصل منه. وبين هدوء الأداء وقوة المواجهة تشكلت صورته لدى شريحة واسعة من الجمهور؛ محاور لا يسعى إلى هزيمة ضيفه بقدر ما يسعى إلى انتزاع إجابة واضحة، ولا يراهن على الانفعال بقدر ما يراهن على السؤال في اللحظة المناسبة.
لماذا وجد صداه في لبنان والسودان؟
قد يكون سرّ هذا التفاعل مرتبطاً أيضاً بطبيعة اللحظة السياسية في البلدين. ففي مجتمعات أنهكتها الأزمات والحروب وتضارب الروايات، لم يعد الجمهور يبحث بالضرورة عن خطاب أكثر حدة، بل عن مساحة تمنحه قدراً من الوضوح.
لذلك لاقت طريقته في إدارة الملفات اللبنانية والسودانية اهتماماً خاصاً. فبدلاً من الانخراط في الاصطفافات المعتادة، ركّز على مساءلة الضيوف وملاحقة الوقائع، وهو ما منح كثيرين شعوراً بأن الحوار يدور باسم الجمهور لا باسم طرف سياسي محدد.
ولعل إشادة الفنانة اللبنانية كارول سماحة به أخيراً لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعكس انتقال تأثير هذا النوع من الإعلام من المجال السياسي الضيق إلى المجال الشعبي والثقافي الأوسع. فعندما يصبح اسم مذيع سياسي موضع تقدير خارج دائرة الأخبار والسياسة، فهذا يعني أن حضوره لم يعد مرتبطاً بالحدث اليومي فقط، بل بصورة مهنية تشكلت على مدى سنوات.
نهاية “المسائية” وبداية تجربة جديدة
قد لا يكون أحمد طه أول إعلامي يطرح أسئلة صعبة، لكنه من بين القلائل الذين بنوا حضورهم على فكرة بسيطة تبدو أكثر أهمية اليوم من أي وقت مضى: أن قوة الإعلام لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بجودة السؤال. وبين نهاية “المسائية” وبداية تجربة جديدة، تبدو قصته مؤشراً على تبدّل أوسع في قواعد اللعبة الإعلامية العربية؛ فالجمهور الذي كان ينجذب إلى من يصرخ أكثر، بات يبحث عمّن يسأل أفضل.

خاص- Checklebanon



