🟠الجنوب عاد محتلاً …!

الجنوب عاد محتلاً..وإسرائيل ترسم حدود الاجتماع الأمني بالنار
خمسون بلدة تقريبًا هددها الاحتلال بالقصف بعد البيان التحذيري الصادر عن قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. إنه توعّد بمزيد من القتل عشية عيد الأضحى، الذي ارتفع عدد ضحاياه كثيرًا. نازحون تُركوا لمصيرهم، يفترشون الخيام في المدارس وعلى الطرق، وبلدات وقرى الجنوب تُدمَّر بالكامل بعد أن أُنذر أهلها وأُجبروا على المغادرة. يوم دموي جديد عاشه الجنوب والبقاع أمس. حبس الجنوبيون أنفاسهم، وتسمروا أمام الشاشات يتحسرون على منازلهم وهي تُهدم، فيما عادت الدبابات الإسرائيلية لتدوس الأرض مجددًا.
على المقلب الآخر، استمرت لعبة عضّ الأصابع على وقع مفاوضات إسلام آباد. يراهن حزب الله على نتائجها ويحاول تحسين شروطها في الميدان، بينما تصرّ إسرائيل على استبعاد لبنان من الاتفاق واستفراده في مفاوضات مباشرة يعتبرها جزء من اللبنانيين “فولكلورًا” لن يجدي نفعًا. وتسعى إسرائيل قدر الإمكان إلى اقتناص فرصة تعثر المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وتمارس جرائمها في لبنان، وسط مخاوف من أن “يُجرف الجنوب” بكامله قبل إعلان النيات بين إيران وواشنطن. وهي الخشية التي عبّر عنها رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يلتزم الصمت، وقد فاجأته العقوبات الأميركية؛ إذ كيف يُطلب منه محاورة حزب الله فيما تُعاقَب أدواته في الحوار؟
لا يعوّل بري على المفاوضات المباشرة مع واشنطن. فنصيحته باللجوء إلى مفاوضات غير مباشرة لم يؤخذ بها، وبالرغم من ذلك التزم الصمت حيال ما تشهده واشنطن، وهو يعلم في قرارة نفسه أن هذه المفاوضات لن تجدي نفعًا، وأن لبنان ذهب إليها خاليًا من أوراق قوته.
اليوم الدموي، الذي يحمل بصمات إسرائيل ويشهد على عدوانيتها، سيطرحه لبنان على طاولة مفاوضات البنتاغون. وقد توجّه الوفد العسكري إلى الولايات المتحدة، يرافقه السفير السابق ورئيس الوفد اللبناني المفاوض سيمون كرم، استعدادًا لجولة أولى من الاجتماع العسكري اللبناني ـ الإسرائيلي في البنتاغون. وباستثناء هذا “الحدث”، لم يشهد الداخل أي تحرك يُعتدّ به أو يرقى إلى مستوى العدوان الإسرائيلي الوحشي على الجنوب والبقاع الغربي. فالاتصالات التي أجراها رئيس الجمهورية جوزاف عون، والتعليمات التي وجّهها إلى سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوض، لم تنجح في خفض التصعيد. وقد أُبلغ لبنان أن شرط وقف حزب الله إطلاق المسيّرات التي تؤذي إسرائيل وتُحدث تغييرًا في المعادلة هو المدخل إلى التهدئة.
غياب الموقف الرسمي الموحد
المؤسف أنه، وفي ظل احتلال إسرائيل للأراضي والعدوان الدموي والمجازر وتدمير المنازل على ساكنيها، يغيب الموقف الرسمي الموحد، كما يغيب مجلس الوزراء عن الاتصالات التي تجريها الدولة بشأن المفاوضات المباشرة وما قد ينتج عنها. والأغرب أنه، وفي ظل الحرب التي يعيشها لبنان، غادر نحو نصف الوزراء لقضاء عطلة الأعياد خارج البلاد، فيما استمرت القطيعة بين الرؤساء، ولو عبر الوسطاء، كما استمر العتب واللوم بين الرئاستين الأولى والثانية.
وقد صعّبت العقوبات الوضع الداخلي. فبري، الذي مرّر مقررات مجلس الوزراء ولم يعترض وزراؤه على القرارات المتعلقة بالمقاومة، عمّم على وزرائه ونوابه عدم التطرق إلى موضوع المفاوضات المباشرة رغم معارضته لها من حيث المبدأ. وهو يعتبر ضمنًا أن هذه المفاوضات لم تؤدِّ إلى نتيجة، ولم تحقق وقف الحرب الذي وُعد به، وأن مسار إسلام آباد هو الذي قد يمنح لبنان وقفًا شاملًا للحرب.
أما رئيس الجمهورية، فاستمر في عتبه على الثنائي. وبات بري يقاطع بعبدا، حيث غاب اللقاء الأسبوعي بين الرئيسين، كما أنه لا يلاقي رئيس الجمهورية في الضغط على حزب الله من أجل الالتزام بوقف النار. علمًا أن بري، عندما أبلغته بعبدا بالاتفاق على وقف النار في واشنطن وطلبت منه التزامًا من حزب الله، كان جوابه: “أعطوني وقف النار واتركوا الحزب عليّ”. لكن الآمال خابت، وفشل وقف النار في جولتين متتاليتين، فيما استمر لبنان في التفاوض.
سحب إعلان النوايا
ومن الإشارات الإيجابية التي وجّهها عون تجاه الثنائية أنه لن يأخذ في الاعتبار العقوبات الأميركية، ولن يلتزم بمفاعيلها، ملمّحًا بذلك إلى استعداده لاستقبال نائب حزب الله حسن فضل الله، الذي شملته العقوبات مع آخرين.
وبينما يشعر بري بخيبة أمل من المفاوضات المباشرة، يجدّد عون الأمل في أن يحقق الاجتماع الأمني وقفًا لإطلاق النار، وقد أوعز إلى الوفد الأمني بطرح هذا المطلب كبند أول على جدول الأعمال. لكن ليس متوقعًا أن توافق إسرائيل على مطلب لبنان، خصوصًا أنها سعت إلى رسم حدود الاجتماع بالنار. وتشير المعلومات إلى أن إسرائيل سحبت إعلان النيات مع لبنان بنسخته السابقة من التداول، بهدف تعديل بنوده قبل أن يصبح أساسًا للمفاوضات المباشرة.
وقد عادت إسرائيل إلى سيناريو الاحتلال لوقف خطر المسيّرات، وكثّفت غاراتها للقضاء عليها. ومن وجهة نظر عسكرية، تحاول إسرائيل تغيير المعادلة المتعلقة بالمسيّرات التي باتت تؤثر على معنويات الجيش، مع استهداف متزايد لمنظومات القيادة والسيطرة. كما تصعّد عملياتها لتقديم أي خفض للتصعيد لاحقًا على أنه إنجاز تحقق عبر المفاوضات المباشرة. وهي تريد تكريس الاحتلال كأمر واقع، وتثبيت قواعد عسكرية جديدة قبل إعلان النيات بين إيران وواشنطن.
بالنار فرضت إسرائيل واقعًا مريرًا: أراضٍ محتلة، ونزوح فوق نزوح. الجنوب هو الضحية، والبقاع الجريح، والنازحون مثقلون بهموم الحرب والعوز وضيق الحال، من دون أن يجدوا من يرأف بحالهم. هم الضحايا، الشاهدون على مأساة أناس يُقدَّمون قرابين على مذبح الوطن.
غادة حلاوي-المدن



