🟠في طلب تدخّل عربيّ عاجل…

لم يكن مفاجئاً أن يتّخذ “الحزب” موقفاً معادياً للاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. سبق موقف أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم موقف صادر عن إسماعيل قاآني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوريّ بهذا الاتّجاه. إذا ما كانت إيران خارج صفقة أُبرمت في واشنطن من وراء ظهر الاتّفاق الأميركيّ الإيرانيّ المحتمل، فطبيعيّ أن تعمل طهران على تعطيله وتحرّك حزبها الذي بقي صامتاً حتّى أتته الإيماءات من بعيد.
لم تخترع طهران حزبها في لبنان إلّا لتكون صاحبة قرار في أيّ مصير في هذا البلد، وما دامت دولة “الثنائيّ” الدولة الطاغية على البلد (على حدّ تعبير الزميل زياد عيتاني)، وما دام هذا التحالف امتهن حرفة التعطيل فلسفةً وجعل في عهود سابقة من الثلث المعطِّل فضيلة في حكومات لبنان، فهل تغيّرت موازين القوى، على الرغم من محنة جمهوريّة الوليّ الفقيه داخل هلالها المندثر من طهران إلى بيروت، يتيح تمرير اتّفاق انتزعته دولة لبنان في واشنطن.
تواطؤ وتخادم؟
لم تنشب الحرب بين لبنان وإسرائيل منذ 8 تشرين الأوّل 2023. نشبت بين إسرائيل وإيران بقرار من طهران بعد إطلاق شرارتها الأولى قبل يوم واحد في غزّة. إذا ما كان “الإسناد” من لبنان في كلّ نسخه جاء بأوامر إيرانيّة لدعم قضايا إيرانيّة، تبدو دولة لبنان طرفاً مُقحماً في اشتباك إيرانيّ إسرائيليّ، وهي طرف لا تحبّه إيران ولا إسرائيل.
يلتقي الجنرال قاآني والشيخ قاسم ووزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتامار بن غفير على مقت الاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ واعتباره خطأ وخطيئة، ففيما تُظهر إسرائيل بشخص رئيس وزرائها كرهاً للاتّفاق المحتمل بين واشنطن وطهران، وفيما يصدر عن الحرس الثوريّ كره آخر للاتّفاق نفسه وريبة ممّا وراءه، فإنّ في إسرائيل وإيران، كما درجت العادة خلال العقود الأخيرة، تواطؤاً وتخادماً يتقاطعان على نسف صفقة ترامب ودفنها قبل الولادة.
لا يُخفي نتنياهو، وتردِّد خلفه جوقة من منابر عسكريّة ووزيرَي الخارجيّة والدفاع، أنّ إسرائيل ليست لديها مشكلة مع لبنان واللبنانيّين، بل مع “الحزب” وحده. بهذا المعنى تستمرّ إسرائيل، التي أُجبرت مكرهةً على التزام هدنة ترامب في إيران، في خوض الحرب ضدّ إيران من خلال لبنان. ما دامت إيران نفسها تفاخر بالربط بين الجبهتين، فإنّ إسرائيل ترى في ذلك مبرّراً شرعيّاً يكمل به نتنياهو حرباً حرمه منها الرئيس الأميركيّ.
بغضّ النظر عن الجهود التي بذلها الوفد اللبنانيّ مدعوماً باتّصالات عواصم عربيّة مع الإدارة الأميركيّة، جاء قبول الوفد الإسرائيليّ باتّفاق “الخطيئة”، وفق توصيف بن غفير، وبضغط من وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو ورئيسه، بتعليمات خبيثة من نتنياهو. عوّل الأخير بعد مكالمة “التأنيب”، التي تلقّاها من ترامب والتي ردعت هجوم الضاحية، على أنّ إيران وحزبها سيتولّيان رفض الاتّفاق ولعنه وإجهاضه، وهو تعويل استجابت له طهران، وعلى أن لا ضير من تمرير اتّفاق في واشنطن لا يستطيع لبنان تنفيذه.
تقول المعادلة إنّ لبنان لوحده لا يستطيع ولم يكن من المتوقّع أن يستطيع إخماد صراع يجري منذ عقود بين إيران وإسرائيل. إذا كان أصدقاء لبنان العرب مخلصين في دعم بيروت والدولة والحكومة والجيش ودعم استعادة عافيته، فإنّ النيّات الحسنة ليست كافية لتغيير موازين القوى على النحو الذي يتيح لمفاوضي واشنطن تمرير النتائج في بيروت. إذا ما كانت حسابات دوليّة ما تزال قاصرة عن دعم الجيش اللبنانيّ وتعظيم قواه، فإنّ المدد العربيّ ما يزال بدوره محسوباً مقنّناً على نحوٍ يبقي الدولة متعايشة مع “التعطيل” بصفته أصلاً وهي فرع.
الفرصة الأخيرة لاستعادة لبنان؟
أثبتت الدولة للقريب العربيّ والبعيد أنّها باتت صاحبة قرار مستقلّ خارج سقوف إيران و”هلالها”. أثبتت حكومة البلد أنّها، على الرغم من تعقّد ائتلافها، قادرة على اتّخاذ قرارات صعبة كانت تُعتبر من الخيال قبل ذلك. إذا ما كانت لبنانيّة القرار إنجازاً عظيماً، فإنّ تنفيذ القرارات يحتاج إلى رعاية حقيقيّة لم ترقَ داخل الدائرة العربيّة إلى مستويات سابقة وصلت إلى حدّ إرسال قوّات عربيّة مشتركة لوقف بدايات الحرب الأهليّة في البلد بغضّ النظر عمّا انتهت إليه هذه السابقة.
قد يكون ارتباك الموقف العربيّ في الدعم المطلق للبنان يعود إلى شروط تطالب لبنان نفسه بإصلاح نفسه، ولا سيّما التخلّص من الارتهان للميليشيا والسلاح غير الشرعيّ. قد يكون جائزاً الاعتراف أنّ البلد أضعف من أن ينجز هذه المهمّة من دون “تدخّل” عربيّ، على الأقلّ ببرنامج دعم “مارشاليّ” يقف سدّاً لا ندّاً فقط لتدخّل إيران في شؤونه. ما نقصده ليس “إنزالاً” عضليّاً بل حضور غير عاديّ في ظرف غير عاديّ.
نتفهّم أن يكون الموقف العربيّ من المسألة اللبنانيّة متناسلاً من الموقف العربيّ غير الموحّد من المسألة الإيرانيّة. لم يعُد الأمر سرّاً أنّ المجموعة العربيّة التي لطالما انقسمت في مقاربة العلاقة مع “الحالة” الإيرانيّة خلال العقود الماضية، مرتبكة في اتّخاذ موقف من حرب على إيران تكون إسرائيل عاملاً أساسيّاً فيها، وقد زاد غموض مآلات الحرب وتبدّل أهدافها في واشنطن من تباين الموقف من إيران حتّى بين دول الخليج نفسها.
غير أنّ الأمر ليس مبرِّراً لترك لبنان يعالج وحده وبقواه المتواضعة ومن دون حضور عربيّ وازن في اقتصاده ودفاعاته ومتانة مجتمعه مسألة وجوديّة في الموقف من سطوة طهران على البلد. إذا ما كان الرئيس جوزف عون اعتبر أنّ المفاوضات هي “الفرصة الأخيرة”، فإنّها فرصة لاستعادة البلد ووقف الفتك به، لكنّها فرصة إذا ما فشلت تُعيد لبنان العزيز على قلوب المنطقة إلى عهود التعطيل ومواسم الوصايات وانتعاش الميليشيا وتُسقط دولة يعوّل اللبنانيّون وأصدقاء لبنان على بقائها.
بالأمس، جدّد الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي باتصال أجراه معه الرئيس جوزف عون وقوف المملكة العربية السعودية إلى جانب لبنان وحرصها على سيادته واستقلاله وسلامة أراضيه، وعملها المستمر للتخفيف من معاناة اللبنانيين. فهل يكون موقف ولي العهد مثالاً يحتذى الدول العربية الأخرى؟
محمد قواص- اساس



