🟠خاص شدة قلم: العفو العام:”طبخة” نيابية على حساب العدالة!

من قوانين الانتخابات إلى قوانين التجنيس.. والسمسرات وهدر المال العام إلى تسهيل الفساد وسرقات المصارف.. اعتدنا كلبنانيين على قوانين تُفصّل وفق مقاسات القوى الطائفية والسياسية.. ليكون أحدث إبداعات “نوائبنا الممدين لأنفسهم” مشروع “قانون العفو العام”.. الذي أطلَّ على الإعلام كـ”هدية لعيد الأضحى”.. مُغلفة بمسوّغات إنسانية كتخفيف اكتظاظ السجون ورفع الظلم عن منتظري المحاكمات.

لكن خلف الكواليس.. يبدو أنّ ما أنجزته “اللجان النيابية المشتركة”.. ليس سوى صيغة هجينة ومشوّهة.. دوزنتها الكتل النيابية الكبرى لتأمين مصالحها الانتخابية رغم التأجيل والزبائنية.. ومحاولة إخراج القانون من عنق زجاجة المواجهة الشعبية.

عدالة عمياء
تتقاطع التحليلات لتكشف أنّ “التخفيض الأعمى” للعقوبات بمقدار الثلث، والذي أقرّته اللجان – وينتظر الإقرار النهائي- كحل وسط لتمرير الملفات الأكثر حساسية (الإسلاميون وتجّار ومروجو المُخدّرات).. يمثل انتكاسة حقيقية لمفهوم العدالة.

هذا التخفيض ساوى في كفّة واحدة بين المخالفات البسيطة وبين جرائم يندى لها الجبين.. كالاغتصاب والاعتداءات الجسيمة.. كاغتيال عناصر الجيش اللبناني بدم بارد.. وتجّار المخدّرات ومروّجيها.. ليبرز السؤال الأكثر إيلاماً: كيف يُمكن جمع هذه الجرائم في سلة تخفيضات موحدة؟!

يتجلى المشهد الأكثر إثارة للريبة في تلبية مصالح قوى السلطة.. ولا سيما “الثنائي الشيعي”.. ففي بيئتهما الحاضنة يُعتبر ملف التوقيفات والملاحقات في قضايا المخدرات (تجاراً ومروّجين) عصباً حسّاساً وضغطًا مُستمرّاً… ومن هنا، تأتي المصلحة المباشرة في صياغة بنود فضفاضة تحتال على العفو التام عبر التمييز الوهمي بين “الترويج المنظم” و”الترويج الفوضوي”.

هي مفارقة ساخرة قد تسمح لرموز وتجّار كبار كـ “نوح زعيتر”.. بالإفلات عبر ثغرات قانونية وُضِعَتْ بعناية.. ليتحوّل القضاء أمامهم إلى ساحة لإعلان براءة “الحملان المستذئبة”.. في حين يقبع الأبرياء وفقراء السجون لسنوات دون محاكمات..

استثناءات ولكن!!
رغم محاولة المشرّعين “حفظ ماء وجه الدولة”.. عبر وضع جدار من الاستثناءات المبدئية لحماية الأملاك العامة.. مكافحة الفساد وتبييض الأموال.. إلا أنّ الثغرة الأكبر بقيت في محاولة تسوية ملف المتهمين بالقتال ضد المؤسّسة العسكرية.

وأمام الضغط الشعبي وجراح أهالي شهداء الجيش، تمَّ اللجوء إلى مخرج “الحق الشخصي” والسماح للأهالي بالتقاضي أمام المحاكم المدنية.. وهو مخرج يبدو في ظاهره قانونيّاً.. لكنه في عمقه السياسي محاولة لرمي كرة النار بعيداً عن المقار النيابية.. خاصة أنّ كل الأدلة والبراهين لاسيما في “ملف عبرا” تكشف بوضوح من أطلق الرصاصة الأولى.. وَمنْ الذي اعتدى على الجيش.. ولمَنْ أُلبست التُهمة الجاهزة غب الطلب!!

إنّها “طبخة” نفاق بامتياز.. تتقاسم فيها القوى الطائفية المغانم.. عفوٌ مقنّع لبيئة “الثنائي الشيعي”.. ومحاولات استرضاء لملفات تخُص الشارعين السُنّي والمسيحي.. والنتيجة قانون هجين يرسّخ دولة الإفلات من العقاب.. ويؤكد أنّ بورصة السياسة في لبنان تتقدّم منطق الحق والعدالة.

مصطفى شريف – مدير التحرير

مقالات ذات صلة