🔔المطلوب أي انجاز لترامب يسمح بالانسحاب قبل الوقوع في فييتنام جديدة!

الحرب الأميركية على إيران: من «تغيير النظام» إلى البحث عن مخرج بلا هزيمة

مع مرور كلّ يوم إضافي على الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تضيق خيارات المعتدين التي بدأت بسقف عالٍ بلغ حدّ تغيير النظام في إيران، ثمّ انخفض إلى درك البحث عن إنجاز يسمح بالانسحاب من المستنقع قبل تحوّله إلى «فيتنام جديدة». فمجنون البيت الأبيض يخشى من التداعيات الاقتصادية لمغامرته، والتي يمكنها أن تنهي زخم ولايته الرئاسية بشكل مبكر، لا سيّما مع خوفه من فقدان السيطرة على أسعار الطاقة العالمية.

من هنا، تأتي تصريحات نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس لتكشف ما يريد رئيسه دونالد ترامب التستر عليه وتغيير وجهته. في مقابلة نُشرت لفانس اليوم، السبت، أكّد أن «الرئيس (الأميركي دونالد) ترامب سيسمح للحرب بالاستمرار لفترة قصيرة، للتأكد من أننا لسنا مضطرين للعودة إلى هناك لفترة طويلة جداً»، وأضاف، مرّة أخرى، أنّ «جميع الأهداف العسكرية المحددة للعملية في إيران قد تحققت».

كلام فانس لم يصف خطة عسكرية محكمة انتهى تنفيذها، بل هو إقرار ضمني بأنّ الولايات المتحدة لم تعد قادرة، أو راغبة، في مواصلة الحرب حتى تحقيق أهدافها المعلنة التي تعاكسه بشدّة الوقائع الميدانية.

لذا، لا تعكس هذه التصريحات انتصاراً، بل هي محاولة لـ«تسييل الهزيمة»، وتغليف الانسحاب بغلاف دعائي يوحي بالنصر، هرباً من استحقاقات الحرب التي تحولت إلى عبء ثقيل على كاهل الإدارة الأميركية ورئيسها ترامب.

إذاً، ما يفعله كلّ من فانس وترامب الآن، هو تقليص متعمّد لمفهوم «النصر». فالأهداف التي بدأت بها الحرب، مثل تغيير النظام الإيراني، وتفكيك البرنامج النووي، وإخضاع الدولة، لم تتحقق، بل إن طهران تخرج عملياً من الصراع وهي بمظهر «المنتصر المقاوم»، الذي صمد أمام القوة العظمى، على الرغم من الأضرار التي لحقت بها.

والمطروح الآن في العقل الأميركي هو «اختصار النصر» في أي إنجاز يسمح بالانسحاب. وهذه ليست استراتيجية حرب، بل هي «إدارة أزمة صورة» لرئيس يخشى أن تتحول حربه الخاطفة كما كان يريدها إلى «فيتنام جديدة» تلاحقه في الانتخابات المقبلة للكونغرس. وفي حال الوصول إلى هذا المشهد يمكن لنتائجه أن تسقط ترامب عملياً، وهو على كرسي الرئاسة. بمعنى آخر، عندما يدّعي فانس أن الأهداف تحققت، فهو لا يتحدث عن واقع عسكري، بل يحاول صياغة «رواية خروج» لتبرير الفشل الاستراتيجي.

في التفاصيل، تكمن المعضلة الحقيقية، والتي تكشف زيف تصريحات الإدارة الأميركية وسردية الانتصار، في الإجابة على سؤال مركزي لا تنفع معه أي سرديات مفبركة ومبالغ فيها: ماذا لو انسحبت أميركا، كما يشير فانس، ومضيق هرمز لا يزال مغلقاً؟

هنا يمكن التكلم عن ثلاثة سيناريوهات:

1. إذا بقي المضيق مغلقاً، وانسحبت أميركا من هناك، كما يقول فانس، فهذا يعني انتصاراً استراتيجياً إيرانياً كاملاً، واعترافاً أميركياً بأن قوتها العسكرية لم تستطع ضمان حرية الملاحة، التي تحولت عملياً إلى أهم أهداف هذه الحرب، بعد إغلاق مضيق هرمز. وفي هذه الحالة، لن تنخفض أسعار النفط، بل من المرجح أن ترتفع أكثر مما هي عليه الآن. وهنا الهزيمة ستكون مدوّية.

2. أما إذا حاولت أميركا فرض فتح المضيق بالقوة، مع ما يتطلبه الأمر من تصعيد عسكري، قد لا تملك واشنطن شهيةً خوضه، لأنه سيمدّد الحرب لفترة أطول، ويعظّم خسائر أميركا أكثر، ويدخلها في مستنقع عراقي أفغاني جديد أكثر إيذاءً.

3. مع تعذّر تطبيق السيناريو الأول والثاني، يُحتمل أن تلجأ الإدارة الأميركية إلى سيناريو ثالث، ويقوم على تقديم عروض في الغرف المغلقة للجانب الإيراني. فتعطى فيها طهران معظم ما تريده مقابل فتح المضيق، على أن يسوّق ترامب هذا «الإنجاز» بوصفه انتصاراً. لكن عملياً، هذا يعني أن إيران هي التي فرضت شروطها، لا العكس.

أمام هذه المعضلة يحاول فانس تقديم الحلّ بخطاب مبسط، إنّما للأسواق والواقع الجيوسياسي حسابات أخرى، إذ لن ينخدعا بالكلام. فشريان الطاقة العالمي لا يهدأ بالتمنيات، بل باستقرار الإمدادات، وأي شك في استقراره يبقي الأسعار مرتفعة بغض النظر عن تصريحات البيت الأبيض.

وإشارة فانس إلى أنّ أسعار الطاقة وارتفاعها هو «رد مؤقت»، وأنها ستنخفض قريباً، هي محاولة لتطبيع الأميركيين مع الفشل الاقتصادي كنتيجة لتعثر الإدارة في الحرب، مع محاولة تقديم الانسحاب من الحرب نفسها كأنه «خيار استراتيجي»، يؤدي إلى حل المشكلة الاقتصادية في الداخل، بينما هو في الحقيقة «استسلام لضرورات البقاء السياسي وفقدان الخيارات المجدية للانتصار في الحرب». فالاقتصاد الأميركي هو «نقطة الضعف» التي استُهدفت استراتيجياً، والانسحاب هو الاعتراف بأن تكلفة الحرب أصبحت أعلى من العوائد.

عبارة فانس: «لسنا مضطرين للعودة إلى هناك لفترة طويلة جداً»، هي اعتراف بأن إدارته غير قادرة على حسم الحرب الحالية في مقابل إيران. وهي محاولة لـ«شراء وقت» لإيجاد مخرج، لكن الخطورة تكمن في أن إيران تدرك هذا الضعف، وهي تستغله لتعزيز مكاسبها، بشروط إيرانية صعبة. وهي تأكيد لما كانت إيران تقوله دائماً قبل الحرب بأنّ فتح أميركا للمعركة لا يعني بأنّها قادرة على إغلاقها ساعة تشاء.

ما يواجه الولايات المتحدة اليوم خياران كلاهما مرّ. الأول هو الاستمرار في حرب لا نهاية لها، مع ما تحمله من كلفة اقتصادية وسياسية عالية. والثاني هو الانسحاب من دون تحقيق الأهداف، ما يكشف ضعف الردع الأميركي الذي سيرتد سلباً على مصالحها، ليس فقط في الإقليم، بل عالمياً.

أما ما تحاول إدارة ترامب إخراجه اليوم، فهو الخيار الثالث الوهمي، والذي يقضي بالانسحاب مع «ضجيج إعلامي» يوحي بالنصر. ولكن التاريخ، والأسواق، وإيران نفسها، لن تنخدع بالألفاظ. والحقيقة الوحيدة التي ستسجلها الأيام المقبلة هي: من الذي يغادر الميدان أولاً؟ ومن الذي يفرض شروطه على الأرض؟

عندما تتحول الحرب إلى أداة للعلاقات العامة، يصبح الانسحاب هزيمة، ويصبح إعلان النصر كذبة لا تصمد أمام وقائع المضيق وأسعار النفط العالمية.

الأخبار

مقالات ذات صلة