🔔 مجتبى الأسد: ليست موسكو ببعيدة عن طهران!

ثالثُ المُرشدين على كُرسيّ “الوليّ الفقيه”

مجتبى الأسد

هو ثالثُ المُرشدين وثاني أبناء المُرشد الرّاحل علي خامنئي وأوّل الوارثين في نظام الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران. مُجتبى خامنئي الذي خرجَ من خلفِ السّتارةِ بعدما بقيَ تحت ظلّ كرسيّ والدِهِ الرّاحل علي خامنئي منذ سنة 2005 إلى لحظة إعلان مجلس خبراء القيادة انتخابه قائداً لإيران وخلفاً لوالده على كُرسيّ “الوليّ الفقيه”.

يرى كثيرون في تعيين مجتبى خامنئي عنواناً لاستكمال المواجهةِ مع الولايات المُتّحدة، خصوصاً أنّ الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب كانَ قد قال صراحةً قبل الانتخاب إنّه لا يُحبّ أن يرى مجتبى على كرسيّ الإرشاد، وبعد الانتخاب أعلنَ أنّه “ليس سعيداً بهذا الخيار”.

لكنّ رأياً آخر يقول إنّ اختيار مجتبى في هذه اللحظة لا يُمكن أن يتمّ من دون موافقة سيّد البيت الأبيض، خصوصاً أنّ النّجل الثّاني لعليّ خامنئي يُعتبرُ سياسيّاً “وليّ الدّم” وعنده ما يُسمّى بشرعيّة القرار، وتحديداً التنازلات القاسية التي تحفظُ استمرار النّظام من دون أن يكونَ لغيره ذلك، على الرّغم ممّا أظهره ترامب من معارضةٍ لاسمِ مجتبى.

ليس مهمّاً أيّ الرّأيَيْن صواب، بل المُهمّ أنّ الانتخاب قد حصلَ وباتَ الكلام عمّا بعد تولّي مجتبى خامنئي قيادة إيران.

الانتخاب الصّعب

لم يكن انتخاب مُجتبى خامنئي سهلاً كما حاول النّظام تصويره. إذ كانَ يتنافس مع 3 أسماء جدّيّة، تتقدّم عليه من ناحية “الشّرعيّة” أو “النّاحية الفقهيّة” التي ينصّ عليها الدّستور الإيرانيّ، وهم:

السّيد حسن أحمد الخمينيّ، حفيد المُؤسّس روح الله الخمينيّ.
عضو مجلس القيادة المؤقّتة آية الله علي رضا أعرافي.
إمام جمعة مشهد آية الله السّيّد أحمد علم الهُدى.

تؤكّد معلومات “أساس” أنّ كثيراً من أعضاء مجلس خبراء الدّستور اعترضوا على اختيار مجتبى خامنئي انطلاقاً من نقطتيْن مهمّتَيْن:

افتقار مُجتبى إلى الرّتبة الفقهيّة، فهو وإن حملَ قبل 4 سنواتٍ لقب “آية الله”، لكنّ حقيقة علمه الفقهيّ لا تُخوّله حمل اللقب لأنّه، بحسب هؤلاء، لم يصل حقيقة إلى رتبة الاجتهاد عند الشّيعة الإماميّة ليكون “الوليّ الفقيه”. وهذا يعني أنّ حمله للقب “آية الله” كان سياسيّاً في إطار تحضيره لوراثة كرسيّ الإرشاد من والده السّيّد علي خامنئي.
اعترضَ عدد من أعضاء المجلس على تكريس مبدأ التّوريث. إذ يخالف هذا المبدأ أساس ثورة الإمام الخمينيّ على نظام الشّاه الملكيّ القائم على الدّستور، على اعتبار أنّ اختيار مجتبى خامنئي خلفاً لوالدهِ سيُكرّس الملَكيّة في إيران من مُنطلق “العمامة محلّ التّاج”.

أدّت هذه الخلافات إلى اعتراض 14 من أعضاء مجلس الخبراء، الذين جادلوا سياسيّاً وفقهيّاً في تعيين مجتبى. لكنّ قرار الحرس الثّوريّ كانَ واضحاً بالسّير بنجل المُرشد الرّاحل. إذ يُمسكُ الحرس الثّوري بمفاصل البلاد بشكلٍ كاملٍ منذ موجة الهجوم الأميركيّ – الإسرائيليّ الأولى التي أدّت إلى قتل علي خامنئي.

ثنائيّة الخطر: مجتبى – وحيدي

أكّد مصدر مطّلع لـ”أساس” أنّ الخطورة ليست فقط في اختيار مجتبى خامنئي، بل أيضاً في تعيين الجنرال أحمد وحيدي على رأس هرم الحرس الثّوريّ. فالأوّل هو مهندس الفساد وشبكات الأموال والثّروات في إيران، بحسب ما تنقل مصادر استخباريّة غربيّة. أمّا الثّاني فهو مهندس القمع والأذرع في المنطقة.

أحمد وحيدي مطلوبٌ لـ”الإنتربول” بنشرة حمراء على خلفيّة مشاركته في تفجير المركز اليهوديّ في العاصمة الأرجنتينيّة بيونس آيرس سنة 1994، الذي أسفرَ عن مقتل 85 شخصاً وإصابة المئات. تولّى في 1988 قيادة “فيلق القدس” في الحرس، وهو الفيلق المسؤول عن العمليّات الخارجيّة بما في ذلك قيادة الأذرع في الشّرق الأوسط والعمليّات الخاصّة في العالم.

شاركَ في قمع الثّورة الخضراء ضدّ تزوير نتائج الانتخابات لمصلحة محمود أحمدي نجاد في وجه المُرشّح الإصلاحيّ مير حسين موسوي. وكان وزيراً للداخليّة في عهد إبراهيم رئيسي وأشرف على قمع الانتفاضة التي خرجت في عهده عقب مقتل المواطنة الكرديّة مهسى أميني على يد شرطة الأخلاق.

يتشارك مجتبى ووحيدي في الحقدِ على الإصلاحيّين. الأوّل لم يرث الحكم فقط عن والده، بل الحقد على التيّار الذي يمثّله مير حسين موسوي القابع في الإقامة الجبريّة منذ 2009. أمّا الثّاني فيهوى قمع التيّار المُعتدل في إيران. وهذا ما يفسّر تولّيه المناصب الوزاريّة في عهد نجاد ورئيسي. وجدير بالذّكر أنّ وثائق ويكيليكس ذكرت أنّ مجتبى كان المُشرف على تزوير الانتخابات لمصلحة نجاد ضدّ موسويّ.

الخلاف بين آل خامنئي ومير حسين موسوي يعود إلى أيّام رئاسة علي خامنئي للجمهوريّة ورئاسة موسوي للحكومة. حتّى إنّ المُرشد الأسبق الإمام الخمينيّ قال يوم وقع الخلاف بينهما: “من لا يتقبّل مير حسين موسوي في رئاسة الحكومة، لا يستطيع إدارة مخبزٍ في طهران”. ومن وقت رحيل الخمينيّ وتسلّم خامنئي، بدأت رحلة الثّأر من موسوي والتيار الإصلاحيّ.

هل يلتحق مجتبى ببشّار؟

يُجمعُ العارفون بالشأن الإيرانيّ على أنّ المرشد الرّاحل كانَ شديد المعرفةِ بإيران وتركيبتها السياسيّة – الاجتماعيّة، فهو عملَ مع اليساريّين والتقدّميّين والإسلاميّين بشقَّيهم الرّاديكاليّ والمُعتدل. ويُدرك حقّ الإدراك حساسيّة التركيبة الإيرانيّة المُتعدّدة الأعراق والإثنيّات. تُشبه تجربة خامنئي الأب تجربة حافظ الأسد في سوريا. كانَ الأخير أيضاً يعرف سوريا، ويعرف خصوصيّاتها، حتّى استطاع الرّجل الآتي من أسرة علويّة هامشيّة أن يحكم سوريا ومعها لبنان لعقودٍ من الزّمن.

لكنّ المُشترَك بين آل خامنئي وآل الأسد أيضاً أنّ كلا الوارثَيْن مجتبى وبشّار لا يعرفان حقيقة الأمور جيّداً. لم يعايش مجتبى تجربة والده، ولا يعرف من إيران إلّا جمع الثّروات وهندسة القمع ومؤسّسة الحرس الثّوريّ. لم يخُض تجربة سياسيّة واسعة كوالده. حاله كحال بشّار الأسد الذي تربّى بعيداً عن سوريا حتّى وفاة شقيقه باسل، فورثَ حكم بلادٍ لا يعرف توازناتها. أخفقَ في لبنان عام 2005، وسقط في الهاوية في آذار 2011، وانتهى به الأمر هارباً من سوريا في كانون الأوّل 2024.

ليسَ صدفة أن يقول وزير الدّفاع الإسرائيليّ إنّ مجتبى خامنئي قد ينتهي به الأمر مثلَ والده مقتولاً، أو هارباً خارج البلاد مثل بشّار الأسد، فهو يفتقر إلى ما كانَ لدى والده من علمٍ ودرايةٍ بالتوازنات وحقائق الأمور.

تشبه ظروف انتخاب وتوريث مجتبى ظروف توريث بشّار الذي كانَ مثل القائد الإيرانيّ الجديد يفتقر إلى المواصفات الدّستوريّة ففُصِّل القرار على مقاسه، على الرّغم من معارضة صقور نظام البعث، تماماً مثل علماء مجلس الخبراء في قضيّة مجتبى.

هل يلحق مجتبى ببشّار؟ ليست موسكو ببعيدة عن طهران.

ابراهيم ريحان-اساس

مقالات ذات صلة