🔔«توريط» لبنان و«سيناريو تدمير غزة»: قراءة بين حربي 2024 والحرب الراهنة!
لبنان… قراءة بين حربي 2024 والحرب الراهنة!
على وقع أصوات الصواريخ والعبء الاجتماعي الكبير الذي يشهده لبنان جراء النزوح الكثيف على ضوء التهديدات والقصف الإسرائيلي المتواصل، ترتفع الأصوات الاعتراضيّة في الداخل اللبناني عن «توريط» البلاد في حرب لا تريدها، بالتالي تكبيدها الأثمان الباهظة نتيجة الحرب القاسية التي اندلعت، والتي تبدو أكثر قسوة من كل الحروب السابقة، لا سيما مع توالي تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بما تتضمن من تهديدات بتكرار «سيناريو تدمير غزة» في العديد من المناطق اللبنانيّة.
وعلى الرغم أن الحرب لا تزال متواصلة، وأن أفق وقفها في المدى المنظور لا تبدو كثيرة أو واعدة، فإن مقارنة بسيطة بينها وبين حرب عام 2024 تؤكد أن ثمة فوارق جوهريّة بين الحربين.
في عام 2024، لم تكن قد اندلعت الحرب الإسرائيليّة – الأميركيّة، وكانت إدارة الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن تسعى لاحتواء الوضع فيما يتعلق بموضوع إيران، وتكتفي بمنح الضوء الأخضر لإسرائيل لمواصلة حربها الضروس في قطاع غزة ولبنان دون أن تتيح لها الانتقال إلى فتح الجبهة مع إيران. بالتالي، كانت طهران لا تزال تعتنق سياسة «الصبر الاستراتيجي» الذي اعتنقته منذ زمن، والذي بنت من خلاله «إمبراطوريتها» في المنطقة وصولاً إلى تبجحها مراراً بالسيطرة على «أربع عواصم عربيّة»!
وهذا المعطى هو الذي أدّى عمليّاً لأن تبقى «حرب الإسناد» التي أطلقها «حزب الله» اللبناني بدءاً من 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 قاصرة على أن تغيّر الوقائع وموازين القوى إلى أن حصلت عمليّة تفجير أجهزة «البيجر» واللاسلكي للمئات من عناصر الحزب وكوادره، تلتها الاغتيالات المتلاحقة للقيادات، في مقدمها الأمين العام حسن نصر الله، وصولاً إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي تضمن بنوداً تتصل بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانيّة «بدءاً من جنوب نهر الليطاني»، الذي وافق عليه «حزب الله»، ومن ثم تنصّل منه.
في هذه الحرب، ثمّة دعم أميركي كامل لإسرائيل لما يُسمّى «إنجاز المهمة» في لبنان، لا بل إن الانخراط الأميركي مع إسرائيل وصل إلى مستويات غير مسبوقة وتمثّل في شن حرب مشتركة على إيران قيل كثير فيها، ومن جملة ما قيل إنها كانت بمثابة إقحام إسرائيلي للولايات المتحدة في حرب كبرى، تبدو آفاقها المستقبليّة غير واضحة حتى اللحظة، وهو ما أكده عدد من أعضاء الكونغرس الأميركي عقب اجتماعهم مع الرئيس دونالد ترمب.
وإذا كانت إسرائيل في عام 2024 قد قيّدت نفسها بمعطيات الردع الاستراتيجي الإيراني، فإن «حزب الله» أيضاً خضع للأمر الواقع آنذاك ووافق على مضض على تهدئة كانت ضرورية لالتقاط أنفاسه، وإعادة جمع صفوفه وبنائها تمهيداً لمعركة كان يريدها حتى ولو أن استعداداته لها لم تكن مكتملة تماماً، متجاهلاً صيحات الرفض اللبناني الداخلي المتكررة ومتعاملاً معها تارة بصورة الضحية المظلومة التي لا يكترث لها أبناء الوطن، وتارة أخرى بنبرة متعالية تؤكد عدم تراجعه انطلاقاً من اعتبارات علاقته المصلحيّة والعقائديّة مع الجمهوريّة الإسلاميّة دون اكتراث حقيقي للمصلحة الوطنيّة اللبنانيّة.
ولا مناص من القول إن ما يساعده في ذلك هو التذرع الدائم بالسلوك العدواني الإسرائيلي الذي «يتفنن» في انتهاك السيادة اللبنانيّة، والذي لا يتيح للسلطة اللبنانيّة التي خطت خطوات استثنائية إلى الأمام في قضيّة حصر السلاح في مجالات لم يكن بعضها ممكناً منذ أشهر قليلة أن تلتقط أنفاسها، ذلك أن إسرائيل واصلت احتلالها للنقاط الخمس في جنوب لبنان، ولم توقف اعتداءاتها على لبنان حتى قبل انطلاق الحرب الأخيرة بضراوة كبيرة.
في السياسة، ليس هناك ما سيوقف إسرائيل في حربها الراهنة على لبنان قبل أن تفرض الاستسلام الكامل لـ«حزب الله» الذي لا يبدو أنه في وارد القيام به، والذي ليس من المؤكد أن إسرائيل ستتمكن من فرضه حتى ولو تفوّقت عسكريّاً واستخبارياً، ما سيعني المزيد من الانتقام من لبنان بمرافقه الحيويّة وبناه التحتيّة، ومن خلال الدفع نحو موجات إضافيّة من النزوح تساهم في تغذية الانشقاق الطائفي والمذهبي، وتكرّس مناخات الانقسام الأهلي، وتفاقم مناخات تأليب الطوائف والمناطق على بعضها البعض.
وبطبيعة الحال، على الرغم من أهميّة القرارات الحكوميّة اللبنانيّة المتلاحقة المتصلة بحصر السلاح، فإن تنفيذها لن يكون يسيراً على ضوء تعنّت «حزب الله»، خصوصاً مع استمرار الحرب الإسرائيليّة وانكفاء المؤسسات العسكريّة الرسميّة اللبنانيّة عن المواجهة والاحتكاك المباشر مع الجيش الإسرائيلي، بما يوفر بدوره ذريعةً إضافيّةً لإسرائيل لتوسيع حربها في اتجاه كل لبنان وليس فقط «حزب الله»، كما تحاول أن تسوّق في دعايتها السياسيّة والإعلاميّة اليوم.
قد لا تكترث إسرائيل في هذه اللحظة السياسيّة لفكرة فرض معاهدة سلام على لبنان، أقله ليس قبل تأكدها من هزيمة «حزب الله»، وهو ما قد تسعى لتحقيقه من خلال إعادة احتلال شريط حدودي جنوبي لبنان لـ«حماية» مستوطناتها في الشمال، في تكرار ممجوج لتجربة سابقة اعتمدتها قبل تحرير لبنان عام 2000، الذي كان من المفترض أن يحتفل به لبنان في الخامس والعشرين من مايو (أيار) المقبل.
من بلد تمكن من إرغام إسرائيل على الانسحاب العسكري التام من أرضه دون قيد أو شرط، ودون توقيع اتفاقية سلام سنة 2000، إلى بلد تحت النيران الإسرائيلية وقد فقد كل مقومات الدفاع والصمود.
رامي الريس- الشرق الاوسط



