🟠نقاط ملتبسة: إتفاق نزع سلاح “الحزب” أولاً بوصاية أميركية مباشرة… ثم وقف النار؟

وصف رئيس الجمهورية جوزف عون إعلان اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصّل إليه الوفدان اللبناني والإسرائيلي، فجر الخميس، في الجولة الرابعة من المفاوضات التي تستضيفها واشنطن، بـ”الفرصة الأخيرة”، فيما ذهب أمين عام “الحزب” الشيخ نعيم قاسم في الاتجاه المعاكس ليقول إنّه “إعلان لتخريب لبنان وإحداث الفتنة”، قبل أن يجزم أنّه “ما دام الاحتلال موجوداً فالمقاومة مستمر”.
لكن هناك من اعتبر أنّ الاتفاق مقدمة لتعديل قواعد الاشتباك خصوصاً وأنّ “الحزب” لجأ في الأيام الأخيرة إلى خفض التصعيد وتحديداً لجهة استهداف شمال إسرائيل، توازياً مع معلومات تشير إلى أنّ الاتفاق فتح باباً بين الإدارة الأميركية والثنائي الشيعي، من خلال الرئيس نبيه بري لبحث الأطر التي تسمح بتثبيت وقف إطلاق النار كخطوة أولى، قبل البحث في بقية المسائل… الأمر الذي فسّر على أنه تراجع من جانب “الثنائي” في فرض مطالبه.
في الواقع، كانت سطور البيان المشترك الذي صدر عقب الجولة الرابعة من المفاوضات كفيلة بإعلام اللبنانيين بأن هذا الاتفاق “أحادي” بامتياز يفتقد للركن الإيراني، وتؤكد مندرجاته أنه كان حصيلة ضغط أميركي، يهدف بشكل أساسي إلى فصل ملف الصراع اللبناني- الإسرائيلي عن ملف الحرب الأميركية- الإيرانية الأشمل، وعزله عن تداعياتها قبل أن تتحكم بمساره.
اذ شددت الأطراف المعنية على رفض “أي محاولة من أي دولة أو جهة غير حكومية لاحتجاز مستقبل لبنان أو فرض الوصاية عليه”. كما أكدت الولايات المتحدة أن “أي اتفاق لوقف الأعمال القتالية يجب أن يتم التوصل إليه مباشرة بين الحكومتين، وبرعاية الولايات المتحدة، وليس عبر أي مسار منفصل”.
الملفت كان إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنّ بلاده أجرت “أول اتصال” مع كبار مسؤولي “الحزب”، وأنهم “وافقوا على عدم إطلاق النار”، مضيفاً أن التفاهم المتبادل ينص على امتناع الطرفين عن تنفيذ هجمات ضد بعضهما البعض، قبل أن ينفي الشيخ قاسم الأمر مؤكداً أنّ “الحزب” لم يعط التزاماً لأحد بعدم مقاومة العدوان والردّ على عدوانه”.
لكن إعلان ترامب يشكل تكريساً لقاعدة ضرورة إشراك “الحزب” بالمفاوضات، على نحو مباشر أو غير مباشر، وضرباً لدور الدولة التفاوضي والذي يفترض أنّ الإدارة الأميركية دفعت به قدماً على حساب “الحزب”.
نقاط ملتبسة
تكشف مندرجات البيان عن نقاط ملتبسة لا يمكن إغفالها:
* وقف إطلاق النار يبقى رهينة الإرادة الإسرائيلية وحدها، إذ احتفظت إسرائيل صراحةً بحق نسفه متى شاءت، على اعتبار أنه “يعتمد على الوقف الكامل لنيران حزب الله وإخلاء جميع عناصره من منطقة جنوب الليطاني”. بعبارة أخرى، أُودع مفتاح الاتفاق في الجيب الإسرائيلي.
* ما غاب كلياً عن البيان لا يقل أهمية عما حضر فيه: لا إشارة من قريب أو بعيد إلى عودة النازحين الجنوبيين إلى قراهم. بل إن الجيش الإسرائيلي سارع إلى ملء هذا الفراغ بإعلانه الخاص، إذ بثّ رسائل صريحة للسكان تقول: “القتال في جنوب لبنان مستمر، ولن يتوجه أي شخص جنوب نهر الزهراني حتى إشعار آخر، وكل من يتوجه جنوباً يعرّض حياته للخطر”. هكذا حوّل الجيش الإسرائيلي صمت البيان عن النازحين إلى ترخيص ضمني لمواصلة عملياته، فيما أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أمس أن “قواتنا ستبقى في المنطقة الأمنية في لبنان، وصولاً إلى الخط الأصفر”.
جدل المناطق التجريبية
* يُكرّس البيان مفهوم “المنطقة التجريبية”، وهو مصطلح جديد يدخل الشطرنج الأمنية والعسكرية في الجنوب. المقصود به اختبار مدى قدرة الجيش اللبناني على “تنظيف” مربعات جغرافية محددة من الوجود العسكري غير الرسمي، قبل أن يتقرر مصير الانسحاب الإسرائيلي منها.
كشف رئيس الجمهورية أنه جرى اقتراح أن تشمل هذه المنطقة زوطر الشرقية وزوطر الغربية وقلعة الشقيف “لما تمثله من رمزية”. غير أن هذا المقترح، كما تقول المعلومات سبق أن اصطدم برفض الجيش اللبناني خلال المفاوضات الأمنية في البنتاغون، والذي أصرّ على أن الانسحاب الإسرائيلي يجب أن يسبق انتشار الجيش اللبناني لا أن يكون مشروطاً به.
قبل أن يُعلن “الحزب” موقفه الرسمي من البيان المشترك، كان الجيش الإسرائيلي يُسجّل انسحابه من بلدة دبين، قبل أن يُعيد الجيش اللبناني انتشاره فيها. حركة تبدو إيجابية في ظاهرها، لكنها في العمق لا تعدو كونها انسحاباً موضعياً من دون المساس بالبنية الكاملة للاحتلال. فالأرض التي تتركها إسرائيل في دبين تبقى محاطة بمناطق لا تزال خاضعة لسيطرتها، ما يجعل هذا الانسحاب أقرب إلى رسالة دبلوماسية منه إلى تحوّل استراتيجي حقيقي.
* يُركز البيان على نزع سلاح “الحزب” من دون أن يضع جدولاً زمنياً واضحاً للانسحاب الإسرائيلي، وهو إغفال مدروس يبقي الإحتلال العسكري الإسرائيلي في الجنوب مفتوحاً على مدى غير محدد. الأهم من ذلك هو ربط البيان نزع السلاح بأمن إسرائيل، معتبراً أنّ “أمنها واحترام سلامة أراضيها لا يمكن تحقيقهما إلا من خلال نزع سلاح الحزب وتفكيك بنيته التحتية في جميع أنحاء لبنان”. وهذا ما يعطي إسرائيل هامشاً غير محدود للتدخل اذا ما اعتبرت أنّ أمنها مهدد، يتساوى في نتائجه مع حرية الحركة التي منحها اتفاق 27 تشرين الأول 2024 لإسرائيل.
* أكد البيان بشكل لا يقبل الإلتباس أنّ الهدف هو السلام بين البلدين وقد تتجاوز المفاوضات حدّ الترتيبات الأمنية بين البلدين. اذ إشار إلى أن “من شأن هذه الخطوات أن تمهد الطريق نحو التقدم باتجاه اتفاق شامل للسلام والأمن”.
إذاً، هو اتفاق وقف إطلاق النار بنسخته الجديدة، هو اتفاق نزع سلاح “الحزب” بوصاية أميركية مباشرة، يضع الجيش أمام اختبار فعلي لإثبات قدرته على تنفيذ هذه الأجندة.
كلير شكر- اساس



