🔔اسمان لخلافة المرشد والحسم لثلاثية الحرس- لاريجاني- بزشكيان: من هو البديل؟
إيران اختارت المواجهة والرد

دخلت إيران ومعها المنطقة، في متحول جيواستراتيجي ستستمر تداعياته لسنوات وربما عقود. إسرائيل تعلن بوضوح هدفها وهو إسقاط النظام الإيراني والإتيان بنظام بديل حليف لها. أما إيران فقد اختارت المواجهة والرد على كل الضربات التي تتعرض لها من خلال إطالة أمد الحرب، توسيع مداها، وإلحاق الأذى الكبير بإسرائيل ودول الجوار، بالإضافة إلى ضرب الاقتصاد العالمي من خلال إغلاق مضيق هرمز، وهو الذي سيؤدي إلى تفاقم الصراع وتصعيده. الولايات المتحدة الأميركية لم تقدم تصوراً واضحاً ونهائياً لما تريده من هذه المعركة. فهل هي تريد إسقاط النظام؟ أم ستعتبر نفسها قد حققت ما تريده من خلال اغتيال الخامنئي، وكبار قادة الحرس الثوري والمسؤولين المتشددين لإفساح المجال أمام شخصيات جديدة من داخل النظام لتتسلم دفة الحكم؟ كما أن واشنطن لم تقدم تصوراً حول كيفية انتهاء الحرب والخروج منها، على الرغم من أن جهات ديبلوماسية مقربة من الأميركيين تشير إلى أن أميركا اختارت استمرار الحرب لأيام قليلة تسعى فيها إلى تغيير موازين القوى في الداخل الإيراني وبعدها توقف حملتها العسكرية، مقابل إمكانية استمرار إسرائيل بتوجيه الضربات.
من هو البديل؟
الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن أنه يعرف الشخص البديل الذي سيقود إيران. من غير الواضح إذا كان كلامه جدياً وقابلاً للتحقيق. لكن الإيرانيين تحسبوا لأي محاولة أميركية لتنفيذ انقلاب من قبل المعارضة، ولذلك نفذوا سابقاً حملة أمنية واسعة وضعوا فيها مسؤولين وشخصيات تحت الإقامة الجبرية إضافة إلى تنفيذ موجة توقيفات واسعة في صفوف الذين عملوا على تحريك التظاهرات في الداخل الإيراني قبل فترة، كي لا يتمكن هؤلاء من حشد التظاهرات على وقع هذه الحرب والإستفادة منها. واللافت أن ترامب، وفي معرض تحضيره للعملية العسكرية، وجه دعوات للإيرانيين إلى التحرك والسيطرة على الحكم والمؤسسات، وهو ما لم يحصل. ربما حاول الأميركيون العمل على سيناريو مشابه لفنزويلا ولكن باغتيال المرشد هذه المرة. إلا أن ذلك لا يبدو ممكناً في إيران وطبيعة نظامها المتعدد الطبقات وذات البعد الايديولوجي.
التركيبة الإيرانية
يراهن الأميركيون على وجود تيارات متعددة، أو حالة من التنافس داخل بنية النظام الإيراني وبين مسؤولين ذوي توجهات سياسية مختلفة. لكن هؤلاء جميعهم هم من أبناء النظام، سواء كانوا إصلاحيين أم محافظين. ومما لا شك فيه أن هناك توازنات معينة داخل السلطة الإيرانية وبنية النظام وتنافساً على النفوذ، ولكن إيران كلها تقف اليوم أمام احتمال من اثنين، الأول أن تسعى إلى انتاج حالة توافقية بين كل المختلفين لمواجهة هذه الحرب وتوحيد الموقف. والثاني، هو أن يستمر التنافس في ما بين قوى وشخصيات متعددة، الأمر الذي سيتيح للأميركيين التدخل أكثر في أي تركيبة مقبلة، أو يتيح للإسرائيليين العمل على خلق فوضى داخلية واقتتال أهلي ذي بعد قومي. وهذا ما قد تنبّه له مبكراً أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني عندما قال إن الشعب الإيراني سيواجه مخطط التقسيم ويفشله ويحافظ على وحدة إيران.
لاريجاني وكلمة السرّ
هنا يبرز لاريجاني كمحرك أساسي لميكانيزم النظام وإعادة جمعه وتركيبه. فهو حامل كلمة سر الخامنئي وأحد أقرب المقربين إليه، وهو الذي كان قد جرى تكليفه بصلاحيات فوق عادية بالملف النووي أو بمختلف الملفات السياسية، وكان مشرفاً على عمل رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي. لاريجاني شخصية من المحافظين الوسط، وكان سابقاً قائداً في الحرس الثوري، لديه علاقات جيدة مع الإصلاحيين، عائلته لها امتداد واسع في إيران وثقل سياسي وثقافي وديني، كما أنه معروف بحجم العلاقات الخارجية التي يمتلكها، وهذا ما يعطيه أفضلية على الكثيرين غيره. إثر إعلان إيران اغتيال الخامنئي، كان بارزاً أن لاريجاني هو الذي خرج وأعلن خارطة الطريق للقيادة الانتقالية، والتي باشرت ممارسة صلاحيات المرشد. وفي الاجتماع الأول الذي عقده المجلس كان لاريجاني حاضراً.
حتى الآن لا بوادر لإسقاط النظام، وترامب أعلن الاستعداد للتعاون والتفاهم مع القيادة الإيرانية الجديدة. ووفق المعلومات فإن من يقصدهم ترامب بالقيادة الجديدة هم شخصيات من داخل النظام. أما بالنسبة إلى الإيرانيين فإن القيادة الجديدة تتشكل بعد انتخاب المرشد، إذ هو الذي يعمل على اختيار الشخصيات في مراكز القرار.
بالنسبة إلى الإيرانيين فإن المؤسسات داخل إيران قادرة على تجاوز خسارة القيادات، وهناك إصرار على إنتخاب خليفة الخامنئي بسرعة.
من سيكون خليفة المرشد؟
تبقى الأسئلة مفتوحة على ما سيلي، ومن سيكون البديل عن الخامنئي. هنا لا بد من العودة إلى فكرة كانت قد طرحت سابقاً، وهي تشكيل مجلس للمرشدية، أو مجلس يتولى صلاحيات المرشد، يضم مجموعة من الفقهاء والقادة السياسيين. هذا الاقتراح لا تزال تعتريه إشكاليات فقهية عديدة، إذ إن نظرية الولي الفقيه ترتكز على شخص واحد، وتستبعد المصادر أن تقدم إيران على تعيين مجلس للقيادة لأن ذلك يحتاج إلى استقرار والآن ليس الوقت المناسب لذلك، لأن الحاجة تقتضي وجود قائد واحد، له الأمر والنهي.
في المقابل هناك أسماء عديدة مطروحة لخلافة الخامنئي أبرزهم الشيخ علي رضا أعرافي، خصوصاً أنه جرى التوافق على اسمه سريعاً ليكون في عضوية مجلس القيادة الانتقالي. أما الاسم الآخر فهو غلام حسين محسني إيجئي، رئيس السلطة القضائية وعضو هيئة قيادة المجلس الانتقالي، وكان سابقاً وزير الاستخبارات والأمن القومي، وهو مقرب جداً من الحرس الثوري. وبحسب المعلومات سيكون للحرس الثوري اليد الطولى في انتخاب المرشد، وهناك معلومات تشير إلى أن الحرس قد عمل على تحضير شخصية معينة لتولي المنصب، وفي هذا التوقيت بالذات فإن الحرس سيستشرس في سبيل تعيين الشخصية التي يراها مناسبة، هنا لا تستبعد المصادر أن يكون الحرس قد اختار شخصية غير متوقعة بالنسبة إلى الكثيرين داخل إيران.
لن يكون من السهل الاتفاق على مجلس المرشدية، فالمسألة لا تقتصر على كيفية اختيار خليفة المرشد، بل في الواقع السياسي الذي ستُقبل عليه إيران في مرحلة ما بعد الحرب. فهي بالتأكيد ستسعى إلى وقف الحرب من خلال الصمود والاستمرار بالقدرة على توجيه ضربات ضد إسرائيل وضد أهداف أميركية في المنطقة لإعادة وضع مسار معين للمفاوضات حول النووي وكل الملفات الأخرى.
الضربة مقرّرة
في إيران هناك قناعة، وخصوصاً لدى المفاوضين، أن الولايات المتحدة الأميركية قد استخدمت التفاوض بهدف كسب الوقت، إذ إن الضربة كانت مقررة سابقاً، وقال ترامب صراحة إنه سيهاجم، ولكن الإسرائيليين هم الذين طلبوا التأجيل بسبب عدم جهوزيتهم. وتقول مصادر إيرانية: “كنا كلما قدمنا تنازلاً جاء الأميركيون بشروط أقسى، وكلما حققنا تقدماً أدخلونا بتفاصيل هدفها إجهاض هذا التقدم والعودة إلى النقطة الصفر، كمثل إعادة طرح مسألة تفكيك كل المواقع النووية، أو التحكم والإشراف الكامل على آلية تصدير النفط الإيراني”. بحسب المعلومات، فإن إيران كانت مستعدة لتقديم التنازلات، بما فيها الوصول إلى التخلي عن اليورانيوم المخصب بدرجة عالية وإخراجه إلى خارج أراضيها، لكن الأميركيين كانوا يريدون شيئاً آخر غير الاتفاق النووي وغير الصواريخ البالستية.
بالنسبة إلى إيران، كان هناك طرف داخل الإدارة الأميركية يتعاطى بجدية مع المفاوضات ويسعى للوصول الى اتفاق ولا يريد الحرب، بينما هناك طرف أوسع يصر على العملية العسكرية، وعندما تقدمت المفاوضات حصلت العملية. كما أن الإيرانيين قد فوجئوا بالضربة ولم يكونوا يتوقعونه.ا ولذلك كان القادة العسكريون على رأس أعمالهم ويعقدون اجتماعات بمن فيهم الخامنئي.
تغيير جذري
لا تزال الأنظار مركزة على مدة الحرب، نتائجها، وما ستفرزه، علماً أن دولاً عديدة ستتدخل في سبيل وقفها، كي لا تنفجر المنطقة خصوصاً في ظل تضرر مصالح دول عديدة قد تستدرج للانخراط في الحرب ضد إيران. في المقابل فإن واشنطن وتل أبيب تريدان تكريس واقع سياسي واستراتيجي جديد على مستوى المنطقة، من خلال إحداث تغيير سياسي جذري في الداخل الإيراني. إلا أن الخيار الإسرائيلي الواقع على رضا بهلوي ليس واقعياً ولا يمكن تحقيقه، بينما هناك محاولات أميركية للبحث عن بديل سياسياً وعسكرياً، لا سيما أن الاغتيالات استهدفت شخصيات أساسية في النظام لتحييدها، مقابل اختيار شخصيات يمكن التفاهم معها. كما أن الضربات التي توجه إلى الحرس الثوري هدفها إضعافه في مقابل تحييد الجيش الإيراني، وكان هناك تصريحات عديدة لشخصيات أميركية تشير إلى الرهان على الجيش الإيراني للعب دور مستقبلي.
هنا تتركز الجهود الإيرانية الداخلية للعمل على إعادة تثبيت السلطة، وهنا تبرز شخصيات عديدة يمكنها أن تمسك بزمام الأمور، من بين هؤلاء علي لاريجاني، الرئيس الحالي مسعود بزشكيان، وزير الخارجية عباس عراقجي، الوزير السابق محمد جواد ظريف، وفي سياق البحث عن توحيد موقف الإصلاحيين والمحافظين والمعارضين، مع تقديم رؤية جديدة لتركيبة السلطة.
هنا تلفت المصادر إلى أن بزشكيان يمكن أن يكون له دور أساسي إذ لديه اقتراحات تتعلق بإجراء تعديلات دستورية على بنية النظام، ولا سيما إعادة النظر بصلاحيات الولي الفقيه وتحديدها، مقابل توسيع صلاحيات السلطة السياسية، وهذا يمكن أن يكون مداراً مفتوحاً في مرحلة ما بعد الحرب، كما أن المطروح لاحقاً سيكون إعادة إحياء مشروع هاشمي رفسنجاني القديم وهو تقويض نفوذ الحرس الثوري وإلغاء حالة “وجود كيانين عسكريين” في إيران ودمج الحرس الثوري بالجيش، ولكن هذه ستكون مؤجلة إلى المرحلة المقبلة وما بعد انتهاء الحرب.
في مواجهة هذه المساعي، تواصل إسرائيل محاولاتها لتفجير الوضع الإيراني من الداخل، ودفع الناس أو المعارضين إلى التظاهر، وإسقاط النظام من الداخل، وهو ما يبدو صعباً حتى الآن لا سيما أن المعارضة الداخلية التي تتمتع بالمشروعية مثل مير حسين موسوي ومهدي كروبي لم يعلنوا عن أيّة خطوة جديدة، باستثناء ما طالبوا به سابقاً وهو تنحي المرشد.
منير الربيع- المدن



