🔔لقد قُتِل الحريري… “الذكرى الـ21 غير”!

رفيق الحريري، الذي استشهد فداءً للبنانيين على مذبح العيش المشترك، ترك وراءه فراغًا كبيرًا في السياسة اللبنانية، وألمًا عميقًا في قلوب اللبنانيين الذين عرفوك رمزًا للوطنية والوحدة.
لقد قُتِل الحريري، وفقد لبنان أحد أبرز أعمدته السياسية، وسط خراب ودمار يعمّان المكان، والبيوت صارت خاوية. وفي كل بيت، وفي كل حي من أحياء بيروت وطرابلس وصيدا وبيروت، حسرات مكبوتة على فقدان رجل كرّس حياته لخدمة وطنه.
في عام يشهد تغييرات إقليمية ودولية كبرى، يخلّد اللبنانيون الذكرى 21 لرحيل الرئيس رفيق الحريري، الذي ترك إرثًا سياسيًا وإنسانيًا لا يُمحى، في ظل سقوط نظام الأسد في سوريا، واغتيال الأمين العام لـ “حزب الله” حسن نصرالله، وتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.
وتأتي هذه الذكرى في وقت شهد لبنان تغييرات مهمة على الصعيد الداخلي، حيث وصل القاضي الدولي نواف سلام إلى رئاسة الحكومة، فيما تولى قائد الجيش جوزاف عون، رئاسة الجمهورية، لتكتمل بذلك معادلة القيادة الوطنية في مرحلة حساسة من تاريخ البلاد.
لبنان يشتاق إلى رفيق الحريري، الرئيس الذي أحب الوطن، والذي ترك إرثًا من العيش المشترك والتعايش بين جميع اللبنانيين. عروسك بيروت، رغم الإنفجار والعدوان الذي حل بأهلها، تبقى عالية في القلوب، شاهدة على عزيمة شعب لا ينكسر، وعلى رسالة الحريري في تعزيز الوحدة الوطنية.
وجنوب لبنان، الذي دفع ثمن أجندات خارجية، حيث هجرت أسرٌ ودمّرت بيوت وقُرى، يظل جزءًا من هذا الوطن الذي يفتقد قيادته الحكيمة، والتي كانت تحرص على استعادة الكرامة والحقوق قبل كل شيء. جوامع وكنائس لبنان، في كل زاوية، تروي صمود شعبٍ بقي متمسكًا بالأمل، وتجسد إرث الحريري في تعزيز التعايش بين جميع الطوائف والمذاهب.
خلال مسيرته السياسية، حرص رفيق الحريري على جمع اللبنانيين من كل الطوائف، وفتح قلبه للمسيحيين والمسلمين في لبنان، معززًا جسور التواصل مع القيادات الروحية، وكانت لقاءاته بالبطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله صفير رمزًا لوحدة وطنية نادرة في تاريخ لبنان الحديث.
سعى دائمًا لنشر رسالة الديمقراطية والسلام، ليس فقط في لبنان، بل في العالم العربي كله، من خلال العمل على تقريب وجهات النظر بين الدول العربية، وتعزيز التعاون والمصالح المشتركة.
كما كان الحريري مدركًا لأهمية الاقتصاد والتنمية في تحقيق الاستقرار. عمل على جذب الاستثمارات الأجنبية والعربية إلى لبنان، مؤمنًا بأن اقتصادًا قويًا هو أساس للسلام الاجتماعي والسياسي. ولم يقتصر دوره على السياسة والاقتصاد، بل كان مصدر ثقة للبنانيين والأجانب على حد سواء، رجل دولة تتسم قراراته بالمسؤولية والحكمة، عاشق لوطنه.
ترك الحريري إرثًا مزدوجًا، إرثًا سياسيًا يقوم على الوحدة الوطنية والتعايش بين اللبنانيين، وإرثًا إنسانيًا يقوم على الأمل والمستقبل الأفضل للبنان. لقد أثبتت مسيرته أن العمل من أجل الوطن يحتاج إلى شجاعة وإصرار، وأن الحرص على المصالح العليا يتطلب تجاوز الانقسامات السياسية والطائفية.
اليوم، بعد مرور 21 سنة على استشهاده، يبقى اسمه حاضرًا في وجدان اللبنانيين، ورمزًا لمن يسعى لتحقيق السلام والاستقرار، سواء على الصعيد الداخلي أو على المستوى الإقليمي. وما زالت بيروت، العروس التي أحبها، تنظر إلى السماء، محتفظة بذكراه، ورافعةً شعلة الأمل التي أشعلها في قلوب اللبنانيين.
رفيق الحريري لم يكن مجرد رجل سياسي، بل كان صوتًا للوحدة، وعلامة في تاريخ لبنان الحديث، ورمزًا لمن يعتقد بأن الديمقراطية والسلام والاعتدال هي السبيل لبناء مجتمع متماسك ومتعدد الأطياف. لبنان اليوم، وكل اللبنانيين، مدينون له بمسيرة سياسية وإنسانية تركت أثرًا لا يمحى، ورسالة أمل للمستقبل.
زياد البيطار- نداء الوطن



