🔔خاص – طرابلس تنهار: الإهمال يقتل والمؤامرات تلهي!

للمرّة الثانية وخلال ثلاثة أسابيع فقط لا غير، ابتُليت الفيحاء الطرابلسية بمُصيبة دموية، سرقت الأعمار ولم تُفرّق بين أطفال وشباب وشِيَاب، لكن للأسف وفي عمق الوجع وقبل أن تجف الدموع ويُرفع الرُكام، جاء مَنْ ينفث السمُوم عبر “خطاب إلكتروني” يحاول إخراج الانهيارات عن سياقها الطبيعي، ويضعها في إطار “المؤامرة والتخطيط المُسبق”، لتصوير ما جرى على أنّه “عمل مُتعمّد” من صنع “أيدٍ خفيّة”، تهدف إلى زعزعة الاستقرار في المدينة.

هذا الطرح الذي انتشر كالنار في الهشيم عبر الكثير من حسابات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية التابعة لـ”محور الممانعة”، يتجاهل حقيقة معاناة المدن الشمالية عموماً، والأحياء الطرابلسية الفقيرة خصوصاً، بل يتناسى سنوات الإهمال الطويلة والرقابة الغائبة، حيث تُركت مبانٍ بكاملها تتداعى تحت وطأة الزمن والتصدعات، من دون أي خطط جديّة للترميم أو المسح الهندسي الشامل.

عليه، فإنّ المشهد الطرابلسي ليس وليد اللحظة، بل نتيجة إهمال سياسي وإداري تراكم كطبقات سميكة من الغبار، حتى بات لا يُستحضر إلا في المواسم الانتخابية أو بعد وقوع المآسي، فتتحول الوعود إلى شعارات سرعان ما تتبخّر، بنتائج ما بعد الفرز أو بمرور الوقت على المأساة.

لكن اليوم، وبكل إصرار، تحاول بعض الأصوات تحويل الكارثة إلى مادة تعبئة، لترويج “نظرية مؤامراتية”، مفادها أنّ جهات خارجية كـ”المحور الخليجي الأميركي” تستغل أو تسبّب هذه الانهيارات لإشعال صراع سنّي ضد الدولة اللبنانية، بزعم أنّ إعادة تشكيل المشهد السياسي اللبناني بما يخدم مصالح هذه الأطراف الخارجية.

والأخطر أنّ هذا الخطاب يصوّر المدينة بأجمعها، وكأنّها “بؤرة جاهزة للانفجار الطائفي”، مُدعياً إمكانية انسحاب المشهد السوري المُستجد، ووصول “الحُكم الإسلامي السُنّي” إلى الرئاسة، بما يلقاه من دعم وتأييد في الشارع الشمالي اللبناني، بداية لفتح الباب أمام التمدد إلى الداخل اللبناني، بشكل يُمهّد لإنتاج أكثرية برلمانية في الاستحقاق المقبل تكون موالية لـ”المحور الخليجي – الأميركي”، بما يعنيه من دور فاعل للإسرائيلي في لبنان، كما يجري حالياً في سوريا.

هذا التهويل ومع بذور الخوف التي يبثها في قلوب الطوائف الأخرى، من فرضية “التدعوش” وعودة تفشّي “التيارات الإسلامية المتشددة” في شمال لبنان، يتعامي عن أنّ تاريخ طرابلس لطالما كان متنوّعاً، وقادراً على فرض التوازن الأهلي رغم الأزمات، وأسقط الكثير من النماذج التي حاولت حرف المدينة وأهلها عن واقعهم اللبناني وربط بصراعات المحاور في المنطقة.

في المحصلة، تبقى مأساة الأبنية المنهارة كأحجار الدومينو في طرابلس “جرس إنذار” جديد يكشف حجم التقصير الرسمي، ويؤكد أنّ الحل لا يكون عبر ترويج نظريات المؤامرة أو الاستثمار السياسي في الألم الإنساني، بل عبر خطة إنقاذ حقيقية تبدأ بمحاسبة المسؤولين، وإطلاق مشاريع إعادة تأهيل عمرانية واجتماعية، وإعادة الاعتبار لحقوق المواطنين الذين دفعوا ثمن الإهمال بأرواحهم وأرزاقهم.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة