🔔خاص – عودة سعد في 14 شباط… واستعادة الزعامة في لحظة لبنانية وإقليمية شديدة التعقيد!

لا تمرّ عودة سعد الحريري إلى لبنان بمناسبة الرابع عشر من شباط مروراً عاديّاً في الحياة السياسية اللبنانية. فالتاريخ، المثقل برمزية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لم يعد مجرّد محطة وجدانية أو مناسبة لاستعادة الذاكرة، بل تحوّل إلى منصة سياسية محتملة لإعادة التموضع في لحظة لبنانية وإقليمية شديدة التعقيد. عودة يُنظر إليها اليوم على أنّها أكثر من زيارة، وأقل من إعلان نهائي، لكنها بالتأكيد رسالة اختبار: للشارع وللخصوم، للحلفاء وفي مقدّمهم السعودية.
منذ إعلان سعد الحريري تعليق عمله السياسي، دخل “تيار المستقبل” مرحلة فراغ قيادي انعكست مباشرة على الشارع السنّي، الذي وجد نفسه بلا مرجعية واضحة في خضمّ انهيار اقتصادي غير مسبوق وتراجع في الدور السياسي للطائفة. هذا الفراغ لم تملأه قوى بديلة قادرة على إنتاج زعامة جامعة، بل أنتج حالة تشتت، ما جعل أي عودة للحريري، ولو بالحدّ الأدنى، محمّلة بدلالات سياسية تتجاوز الشخص إلى الموقع.
في هذا السياق، تأتي عودة 14 شباط كمحاولة لإعادة وصل الخيط مع البيئة الشعبية، لا بوصفها إعلانًا فوريًا لاستعادة القيادة، بل كجسّ نبض مدروس لمدى استعداد الشارع للعودة إلى الاصطفاف خلف الحريرية السياسية، بعد سنوات من الخيبات والتراجعات.
المعطيات المتداولة داخل أوساط “تيار المستقبل” تشير إلى أنّ خيار خوض الاستحقاق النيابي المقبل بات مطروحًا بجدّية، لكن من دون حسم شكل المشاركة، فسيناريو ترشّح سعد الحريري شخصيّاً لا يزال غير محسوم، مقابل احتمال أن يكتفي بدور المشرف على لوائح انتخابية تحمل بصمته السياسية من دون حضوره المباشر في البرلمان.
في هذا الإطار، يُعاد تداول اسم النائب بهية الحريري كخيار طبيعي في صيدا، سواء قررت الترشّح مجددًا أو لعبت دور الرافعة التنظيمية والسياسية للتيار. وفي الحالتين، يبدو أنّ “المستقبل” يتجه نحو مشاركة محسوبة لا تشبه العودة الشاملة، بل توازن بين الحضور وعدم الصدام.
لا يمكن قراءة أي خطوة سياسية لسعد الحريري بمعزل عن الموقف السعودي. فخلال السنوات الماضية، شكّل ما سُمّي “الفيتو السعودي” أحد أبرز أسباب انكفائه، سواء بسبب الأداء السياسي السابق أو بسبب تغيّر أولويات الرياض في لبنان والمنطقة.
اليوم، تشير المعطيات إلى أنّ هذا الفيتو لم يعد قائماً بصيغته الصلبة السابقة، لكنّه لم يتحوّل أيضاً إلى دعم مطلق. الأقرب إلى الواقع هو ضوء أخضر حذر: عُد إلى الساحة، أعِد تنظيم بيتك، راقب حجمك الشعبي وقدرتك على ضبط الشارع، وعندها تُبنى المواقف. أي إنّ السعودية تعتمد مقاربة “الانتظار والمراقبة”: لا مع، ولا ضد، إلى أن تتضح النتائج.
على المستوى الشعبي، لا يزال سعد الحريري يحتفظ بقاعدة عاطفية واسعة في بيئته، قائمة على إرث والده، وعلى شعور عميق باليتم السياسي الذي خلّفه غيابه. هذه القاعدة، المتضرّرة اقتصاديّاً والمهمّشة سياسيّاً، تميل بطبيعتها إلى العودة إلى الزعامة التقليدية بوصفها ملاذاً في زمن الانهيار.
في المقابل، فقدت الحريرية السياسية جزءاً من نخبها: ناشطون، مثقفون، وشرائح شبابية كانت تشكّل يوماً ما خزّاناً فكريّاً وإعلاميّاً للتيار. هؤلاء انفضّوا تدريجيّاً، إمّا اعتراضاً على الأداء السياسي، أو يأسًا من قدرة الزعامة التقليدية على إنتاج مشروع إنقاذي حقيقي.
عامل آخر يفرض نفسه في قراءة المشهد، وهو تآكل مفاعيل مرحلة ما بعد اغتيال رفيق الحريري. فسقوط نظام بشار الأسد، ومصرع عدد من المتهمين في الجريمة، غيّر السياق السياسي والرمزي الذي حكم الحياة اللبنانية لعقود. لم تعد العدالة مؤجلة بانتظار لحظة كبرى، بل دخل الملف مرحلة مختلفة، تُضعف القدرة على استثمار الاغتيال سياسيّاً كما في السابق.
ومع ذلك، يبقى سؤال مفتوح: هل انتهى هذا المسار فعلاً، أم أنّ رمزيته ستستمر حتى اعتقال بشار الأسد ومحاسبته؟ الإجابة هنا لا تزال مؤجّلة، لكنها تؤثر بلا شك على حجم التعبئة السياسية الممكنة.

خاص Checklebanon



