السويداء: قتل خارج القانون..تعذيب واتهام بالخيانة.. إلى متى؟

جرائم متزايدة في السويداء: سلطة هشّة وأسباب متداخلة
منذ مطلع كانون الأول/ديسمبر الحالي، قُتل تسعة أشخاص في محافظة السويداء جنوبي سوريا، بينهم امرأة وطفلة، وأصيب ستة آخرون، كما شهدت المحافظة حادثتي سطو مسلح، وعدة سرقات لممتلكات عامة وخاصة، في سلسلة حوادث بدت ظاهرياً متفرقة الدوافع؛ بين سياسية وجنائية وخلافات شخصية وتعاطي مخدرات. إلا أن التدقيق في السياق العام يكشف تقاطع هذه الجرائم مع مناخ سياسي وأمني مضطرب، تتحول فيه فوضى السلاح إلى أداة ضغط، في ظل سلطة ناشئة عاجزة عن فرض القانون، أو متورطة في إعادة إنتاج العنف بطرق جديدة.
قتل خارج القانون
مصادر طبية في مديرية الصحة بالسويداء أفادت “المدن” بأن المستشفى الحكومي استقبل خلال الشهر الحالي جثامين تسعة ضحايا، اثنان منهم بدت على جسديهما آثار تعذيب شديد، في إشارة إلى ماهر فلحوط ورائد المتني، اللذين قُتلا بعد أقل من 48 ساعة على اعتقالهما من قبل الحرس الوطني بتهمة التواصل مع حكومة دمشق. هذه الحادثة، بما تحمله من مؤشرات تعذيب وقتل خارج القانون، تعكس نمطاً خطيراً في التعامل مع الخصوم السياسيين، وتطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الأجهزة الأمنية الجديدة، وحدود سلطتها، وآليات محاسبتها.
في قرية بوسان بالريف الشرقي، قُتل الناشط أنور فوزات الشاعر برصاص مسلحين مجهولين أمام منزله، في جريمة تجاوزت كونها حادثة جنائية لتلامس بوضوح حدود الاغتيال السياسي. الشاعر، رئيس بلدية بوسان السابق، عُرف بمواقفه المناهضة لسلطات الأمر الواقع، وكان يجاهر بآرائه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويتلقى تهديدات متكررة، لا سيما بعد منشور له في ذكرى سقوط النظام البائد، كتب فيه أن المخلوع بشار الأسد “لم يخرج من سوريا دفعة واحدة، وترك ذيله يتلوى في السويداء”. عائلة الشاعر اعتبرت في بيان، أن استهدافه يأتي في سياق تصاعد خطاب التخوين والكراهية، ورفضت منطق “شريعة الغاب”، مؤكدة أن حرية الرأي حق أساسي لا يجوز المساس به. كما حذّرت من خطورة تحوّل الخلاف السياسي إلى مبرر للقتل، خصوصاً حين يُغذّى هذا المسار من جهات نافذة داخل مراكز القرار حسب وصف البيان.
اعتصام بساحة الكرامة
وفي حادثة منفصلة، شهدت ساحة الكرامة وسط مدينة السويداء اعتصاماً لعائلة الشاب نورس ناصر ورفاقه، مطالبين بمحاسبة قاتليه. نورس، رياضي ومصور، قُتل الأسبوع الماضي قرب دوار العمران، فيما أُصيب أربعة من رفاقه نتيجة خلافات مالية. الأمن الداخلي أعلن توقيف المتهم، فيما أقرّ الحرس الوطني بأنه متطوع في صفوفه، وأعلن فصله بسبب “سوء استخدام السلاح ضد المدنيين العزل”، ما كشف هشاشة البنية الانضباطية داخل هذه التشكيلات، وأعاد طرح سؤال خطير: من يملك السلاح في السويداء، وتحت أي شرعية يُستخدم؟
بلدة ملح بالريف الشرقي للسويداء، شهدت الاسبوع الماضي مقتل السيدة ولاء الباسط وطفلتها سيدرا صعب وأصيب ابنها بجروح خطيرة في جريمة مروعة ارتكبها شقيق زوج المغدورة. وقالت مصادر محلية لـ”المدن” إن الجريمة ذات طابع جنائي، بعد الكشف عن تعاطي الجاني لمخدر الكريستال ميث (الشبو). نجران وصلخد، غرب وجنوب السويداء، لم تكونا بمنأى عن هذا المسار، مع تسجيل جريمتي قتل إضافيتين، إحداهما نتيجة خلاف شخصي راح ضحيتها الشاب ماهر نصر، والأخرى جريمة عائلية قُتل فيها ثائر الشمعة على يد ابنه. كما قُتل الشاب أوس مسعود في ظروف غامضة قبل أيام خلال تواجده في منطقة مصاد، واتهمت عائلته عدة أشخاص مطالبة بتسليمهم للجهات الأمنية وإلا سيصبحون “هدفاً مشروعاً لعائلة المغدور”. وفي مشهد آخر مؤلم، يرقد اليافع ورد الجغامي (18 عاماً) في العناية المشددة منذ أسبوعين، بعد إصابته برصاصة طائشة، في واحدة من نتائج إطلاق النار العشوائي، الذي بات سلوكاً يومياً في محافظة مشبعة بالسلاح.
انتقائية بتطبيق القانون؟
الأمن الداخلي أعلن توقيف المتورطين في الجرائم ذات الدوافع الجنائية، لكنه غاب كلياً عن الجرائم ذات الخلفيات السياسية، ما يعزز الانطباع بوجود انتقائية في تطبيق القانون. وبالرغم من هذا التدهور، أطلق الجهاز أخيراً هوية بصرية أثارت جدلاً واسعاً، كونها حملت رموزاً مثل نجمة داوود واللون الأزرق، في مفارقة لخصها ناشطون بالقول: “الشعار إسرائيلي والواقع صومالي”. فبحسب السجلات، يبلغ عدد عناصر الجهاز 2200، إلا أن الفاعلين منهم لا يتجاوزون 250 عنصراً، بسبب عدم توفر رواتب منتظمة، باستثناء منحة واحدة قيمتها 100 دولار للعنصر الواحد، وزعتها اللجنة القانونية لمرة واحدة خلال أربعة أشهر. كما يعاني الجهاز الأمني من إمكانيات شبه معدومة، فحتى السجون غير مؤهلة ويتم الاعتماد على نظارات التوقيف لإيداع الموقوفين، ما يجعل الحديث عن سلطة أمنية فعلية أقرب إلى الوهم. وأشارت مصادر لـ”المدن” إلى أن الأمن الداخلي يعجز أحياناً عن توفير الوقود لآلياته، ويستعين بسيارات وعناصر من الحرس الوطني لتنفيذ بعض المهمات.
مرحلة انتقالية
ما تشهده السويداء اليوم ليس مجرد اضطراب أمني، بل مرحلة انتقالية خطيرة يُعاد فيها تعريف السلطة، وتُدار الخلافات بالسلاح، مع غياب بوادر لحلول قريبة للاستعصاء السياسي مع الحكومة المركزية في دمشق، وضعف المنظومة الأمنية والقضائية المحلية، لتتحول المحافظة إلى ساحة تصفية حسابات، يُدفع ثمنها من دم المدنيين. وبينما تتآكل ثقة الناس بأي سلطة قائمة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تُترك السويداء لمعادلة السلاح والفوضى، أم يُكسر هذا المسار قبل أن يصبح القتل أداة اعتيادية في مدينة أنهكها الصراع؟
المدن



