التفاوض لا يلغي احتمالات الحرب: «الحزب» يرفض إنهاء مشروعه العسكري طوعاً!؟

ترتيب أوراق التفاوض لا يلغي احتمالات الحرب… فما علاقة السلاح؟

 

يُعيد لبنان ترتيب أوراقه على أكثر من جبهة: من مفاوضات مع إسرائيل تحت إشراف دولي وما سيخرج من اجتماع لجنة «الميكانيزم» في 19 كانون الأول/ديسمبر الحالي، إلى استمرار الغارات الإسرائيلية التي تثير قلق الشارع اللبناني والمسؤولين على حد سواء من تصعيد تل أبيب هجماتها وترجمة تهديداتها بتوسيع الحرب في حال لم يتم نزع سلاح «حزب الله».

وقد شهد هذا الأسبوع حركة أمريكية مكوكية بين المقار الرئاسية والمقار الحزبية للوقف على وجهات نظر القيادات اللبنانية ورؤيتها للخروج من الأزمة في ضوء تصلّب «حزب الله» وتمسكه بسلاحه واعتباره أن اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 يقتصر فقط على جنوب نهر الليطاني ولا علاقة له بشمال النهر خلافاً لقراءة الحكومة اللبنانية وباقي الأفرقاء في البلد ورعاة الاتفاق.

وكان لافتاً تصريح السفير الأمريكي ميشال عيسى الذي فصل بين المفاوضات وبين استمرار الاعتداءات الإسرائيلية قائلاً «المفاوضات بدأت لكن وهذا لا يعني بأن إسرائيل ستتوقف»، فيما الموفد الفرنسي جان إيف لودريان وإن لم يدل بأي تصريح علني، إلا أنه في الاجتماعات المغلقة بدا حازماً بضرورة أن يسلّم «حزب الله» سلاحه درءاً لأي حرب، وتمهيداً لعقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني بالتنسيق مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية.

والإشارة اللافتة أن أي لقاء لم يجمع لودريان مع مسؤولي «حزب الله» خلافاً لما كان يحصل من تواصل على أكثر من ملف في السابق وخصوصاً في ملف إنهاء الشغور الرئاسي، ما يعني تبدل الظروف وحصول متغيّرات جديدة سبق لرئيس الجمهورية العماد جوزف عون أن نبّه إليها، بقوله لمن يرفض الاعتراف بما حصل «بأن الزمن تغير، وأن الظروف تبدلت، وأن لبنان تعب من اللادولة، وأن اللبنانيين كفروا بمشاريع الدويلات»، مضيفاً «‏المسألة لا تعني فقط حصر السلاح وقرار السلم والحرب، وهذا ضروري جداً وحتمي فعلاً، بل المطلوب أكثر، هو حصر ولاء اللبناني بوطنه، وحصر انتمائه الدستوري والقانوني إلى دولته».

لكن على الرغم من هذا الموقف الرئاسي والتوجه نحو لغة التفاوض بدل لغة الحرب، يبقى «حزب الله» على موقفه، وهو يصرّ على اعتبار تكليف مدني لترؤس الوفد اللبناني المفاوض «سقطة» ترتكبها السلطة و«تنازلاً مجانياً» لن يوقف العدوان، فيما السفير سيمون كرم، الذي نال تأييداً لتكليفه من معظم المرحعيات باستثناء «حزب الله» وامتناع رئيس مجلس النواب نبيه بري عن استقباله، بدا صارماً في الاجتماع الأول لـ «الميكانيزم» وأظهر حنكة في التعاطي، معلناً رفضه أي طرح يمنع عودة أهالي القرى الحدودية إلى بيوتهم وقراهم، ومبدياً في الوقت ذاته موافقة مبدئية على إقامة منطقة اقتصادية غير عازلة على الحدود شرط عودة السكان إليها.

ولا يبدو أن الانقسام الذي يظهر في المشهد الداخلي سيتبدّد في القريب العاجل ما يضع البلد أمام خيارين: دبلوماسية نشطة ومسارات تفاوضية مدعومة أمريكياً وفرنسياً وعربياً، وحالة من عدم الاستقرار على الحدود الجنوبية وقلق من ضربة عسكرية جديدة طالما أن «حزب الله» يرفض إنهاء مشروعه العسكري طوعاً. وقد كان صريحاً وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي بقوله «وصلتنا تحذيرات من جهات عربية ودولية أن إسرائيل تحضّر لعملية عسكرية واسعة ضد لبنان، وأن الدولة اللبنانية تحاور حزب الله لإقناعه بتسليم سلاحه لكنه يرفض».

وبات مرجحا أن قرار «حزب الله» في موضوع السلاح هو في يد طهران التي تريد استخدام هذه الورقة في محادثاتها مع واشنطن، رغم النفي الإيراني المتكرر للتدخل في الشؤون اللبنانية. وهذا ما تُرجم باعتذار الوزير رجي عن تلبية دعوة نظيره الإيراني عباس عراقجي لزيارة طهران، وعزا السبب بطريقة دبلوماسية «لعدم توافر الأجواء المؤاتية»، مشدداً على «أن رفض الزيارة لا يعني رفض النقاش، وأن أي علاقة بنّاءة بين البلدين يجب أن تُبنى على الاحترام المتبادل لسيادة كل دولة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية»، مؤكداً «أن بناء دولة قوية في لبنان لا يتحقق إلا باحتكار الدولة وحدها، عبر جيشها الوطني، حق السلاح والقرار في قضايا الحرب والسلم».

يتم كل ذلك وسط تجرؤ سياسيين وإعلاميين لبنانيين على المجاهرة بتأييد فكرة عقد سلام مع إسرائيل وعلى استضافة إحدى المنصات الإعلامية السفير الإسرائيلي في واشنطن يحئيل لايتر الذي وجّه ما سمّاها «رسالة سلام إلى الشعب اللبناني»، ما أثار علامات التعجب والاستنكار لدى فريق الممانعة. وقد خصص «حزب الله» فقرة في بيانه الدوري للرد على هذا التوجه، ملاحظاً «ارتفاعاً في منسوب اللغة التصالحية من بعض الأطراف والشخصيات مع العدو الصهيوني مبررة جرائمه ومبدية تفهمها لما يقوم به من اعتداءات، وفتحاً لبعض المنصات أمام متحدثيه أو ترويج مقولاته بما يشكل مخالفة واضحة وانتهاكاً فاضحاً للقوانين اللبنانية في التعاطي مع عدو رسمي للبنان».

يبقى أن الانقسام الداخلي اللبناني والتحفظات على التفاوض وعلى حصر السلاح شمال الليطاني وليس فقط جنوبه من شأنه أن يقدم ذريعة مجانية لتل أبيب لتوسيع حربها غير آبهة بكل الدعوات لوقف أعمالها العدائية. فيما لو يؤخذ برسالة الحبر الأعظم البابا ليو الرابع عشر إثر زيارته لبنان وبدعوته إلى السلام ووقف القتال المسلح لكان بالإمكان تجنيب وطن الأرز المزيد من المآسي والمعاناة.

سعد الياس- القدس العربي

مقالات ذات صلة