خاص – بين انفصام الدولة وازدواجية القرار… لبنان “ضائع الخطى” وتائه في رمادية قاتلة؟

مَنْ يحكم لبنان؟

لم يعد الانهيار اللبناني مجرّد أزمة اقتصادية أو مالية؛ بل إنّه تفكّكٌ شامل لبنية الدولة وفكرتها معاً. لبنان اليوم كيان معلّق بين سلطتين: سلطة رسميّة فاقدة القرار، وسلطة موازية فقدت الكثير الكثير من هيمنتها، لكن قرارها لا يزال خارج أي شرعيّة دستورية.

هذه الازدواجية التي تكرّست تحت عنوان “التوازن”، تشكّل في الواقع تحايلاً على فكرة الدولة نفسها، إذ تحوّلت “وثيقة الوفاق الوطني” من اتفاق لإنهاء الحرب، إلى نظام لتوزيع العجز والشلل بدلاً من توزيع الصلاحيات.

منذ ولادة الجمهورية الثانية، تعايش لبنان مع مفارقة خطيرة: حكومة تستمد شرعيتها من الخارج أكثر مما تستمدها من الداخل، وتيار “ممانع” يستمد شرعيته من عقيدة تتجاوز حدود الوطن.

بين هذين الحدّين، تاه الكيان اللبناني في رمادية قاتلة. لا الحرب حُسِمَتْ، ولا السلم استقرّ. وكل تسوية وُلِدَتْ بعد “اتفاق الطائف” كانت أشبه بـ”حقنة مورفين” لتمديد الغيبوبة، لا لعلاج المرض. والدولة استمرّت بالحد الأدنى لتوقيع المعاهدات ورفع العلم، أمّا السلطة الحقيقية فكانت تُدار من وراء الحدود، بإمرة القرار الإيراني الذي حوّل لبنان إلى ورقة تفاوض إقليمية، لا دولة ذات سيادة.

اليوم، لم يعد السؤال: مَنْ يحكم لبنان؟ بل: هل بقي هناك لبنان ليُحكم أصلاً؟، فالانقسام العمودي الذي يفصل الدولة عن “الدويلة” المنهارة كيانياً ووجودياً، بعد “حرب الإسناد”، وانكسارات محورها المتوالية، لم يعد مجرّد توازن قوى، بل صار أطلال نظاماً كان قائماً بحد ذاته، وأصبح اليوم ينوء من ضربات المحور الأميركي الإسرائيلي التي تنزل كزخ المطر.

لبنان اليوم الذي لا يزال يُدار وفق منطق “المناصفة في الانهيار”، تحمي كل طائفة فيه فسادها بأسلوبها، وكل زعيم يساوم على موقعه بوهم “الميثاقية”. هكذا تحوّل الوطن إلى مساحة مساكنة بين مشاريع متناقضة، يجمعها فقط الخوف من الانفجار الكامل، لا الإيمان بالمستقبل المشترك. وصارت الطائفية غطاءً للفساد، والمقاومة غطاءً للوصاية، والحياد الوطني تهمة تُعاقب عليها الكرامة.

ختامه، لا خلاص من هذا المستنقع إلا بصدمة كبرى تُعيد تعريف معنى الدولة. رغم أنّ ما حل بالبلد منذ “ثورة 17 تشرين 2019 – تفجير العنبر 12 في مرفأ بيروت – عدوان البيجر” كان كفيلاً بإنقاذ البلد من خلال وضع اليد باليد والتكاتف في وجه العواصف العاتية، لكن لبنان بلد يكتفي ببيان وزاري جديد، وحكومة مُعلّبة بصفقات، متنازلاً عن مشروع وطني يقطع الحبل السري الذي يربط بيروت بطهران، أو بيروت بواشنطن، ويفصل بين الشرعية والوصاية، بين الممانعة والسيادة، بين الدولة والمافيا.

فإمّا أنْ يستعيد لبنان قراره ووجهه العربي، أو يبقى رهينة معادلة “نصف دولة ونصف وطن” التي أوصلتنا إلى هذا العدم الكامل. إنّها لحظة الحقيقة: إمّا دولة حقيقية، أو لا لبنان!!!

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة