خاص – الكبير طليع حمدان إرث يختصر وجدان الجبل: كلماته تشبه وجوه الناس في القرى!

في زمنٍ خفت فيه صوت الشعر وتراجعت فيه المنابر التي كانت تجمع الناس حول الكلمة الجميلة، غاب طليع حمدان، آخر القامات الشامخة في سماء الزجل اللبناني، تاركًا خلفه إرثًا يختصر وجدان الجبل وكرامة الناس وصدق الكلمة.
رحل الرجل الذي لم يكن شاعراً فحسب، بل كان ذاكرة وطنٍ تُنشد وتبكي وتفخر، ذاكرة حيّة للزجل اللبناني، وأحد أبرز مَنْ حملوا هذا الفن على أكتافهم ليبقى متوهّجاُ في وجه النسيان.
كان صوته حين يعلو على المنبر يشبه صدى الوديان، فيهتز الحجر فرحاً بالكلمة، ويمتزج بعبق الأرض وحكايات الأرز، فيوقظ في الناس إحساسهم العميق بأن الشعر ما زال قادراً على أنْ يكون وطناً.
أسلوب عذب
تميّز حمدان بأسلوبه العذب، وبلاغته التي تمزج بين فصاحة اللغة ودفء اللهجة، وبين الشجن والعنفوان. صوته كهديرَ الينابيع في جرود لبنان، وكلماته تشبه وجوه الناس في القرى، بسيطة، صادقة، مفعمة بالعزة والوجدان.
كان يقول القصيدة كما يُقال الوجد، ويُلقيها كما تُلقى التحية على وطنٍ محبوب، فبعض كلامه عن لبنان تحوّل إلى “أنشودة لبنانية” حين قال:
“لبنان فيك الشاعر تغنّى… ولون الطبيعة بلونك تكنّى”..
هوية وانتماء
لم يكن الزجل عند طليع حمدان ترفاً فنيّاً، بل هوية وذاكرة وانتماء. ظلّ يرى في الشعر وسيلة لحماية الوجدان اللبناني من التآكل، وفي الكلمة وسيلةً للكرامة والاعتزاز.
في زمنٍ نسيَ فيه كثيرون معنى القصيدة، بقي طليع حمدان مؤمناً بالكلمة، وحارساً لتراثٍ يتهدّده النسيان، واقفا في وجه الإعصار كأرزٍ لا ينحني، وفيّاً لقناعته بأنّ القصيدة لا تموت ما دام فيها نبض.
“ما بيموت الحكي لو مات الشاعر… بيعيش عَ لسان كل اللي سمعه”…
إلى المثوى الأخير
غياب طليع حمدان جسداً، يُطوي فصلاً من أجمل فصول الزجل في لبنان، لكن صدى صوته سيبقى يتردّد في الساحات التي غنّى فيها، وعلى ألسنة الأجيال التي نهلت من شعره، وفي ذاكرة وطنٍ عرف أنّ الزجل ليس مجرّد غناء، بل وجدانٌ ينطق باسم الأرض والناس..
*****************
طليع حمدان في سطور!!
وُلِدَ طليع نجيب حمدان عام 1944 في بلدة عين عنوب – قضاء عاليه، ونشأ في بيئةٍ جبليةٍ مُشبعةٍ بالشعر والفنّ والكرامة. انطلق في ستينات القرن الماضي على منابر الزجل إلى جانب عمالقة هذا الفن، كزغلول الدامور وجواد نجم، حيث اشتهر بفصاحته وارتجاله وقوّة حضوره على المنبر.
أسّس عام 1976 جوقته الخاصة “جوقة الربيع”، التي جابت القرى والساحات ورفعت صوت الزجل اللبناني عالياً داخل البلاد وخارجها.
تميّز شعره بمضامينه الوطنية والوجدانية والإنسانية، وبأسلوبه الذي جمع بين العمق والبساطة، ما جعله من أبرز شعراء الزجل اللبناني في القرن العشرين.
نال خلال مسيرته الطويلة “وسام الأرز الوطني” عام 2001، ودرعاً تكريمية من الرئيس رفيق الحريري عام 2002، تقديراً لعطائه الزجلي الكبير وإسهامه في حفظ التراث الشعبي اللبناني، ويُعدّ رحيله خسارة كبيرة للتراث الشعبي اللبناني.
خاص Checklebanon


