خاص شدة قلم: مسخرة لعبة الأمم: روسيا من الأسدين.. إلى الجولاني!!
"السياسة لعبة واللاعبون يتغيرون"

غريب أمر السياسة، بل الأغرب هو “لعبة الأمم” وتقلّباتها، وأغرب الأغرب هو تحوّل الواقع إلى دراما لا يمكن تخيّلها، فكم هو صادم اجتماع “البائد مع المؤقت” على أرض واحدة، وكأنّ القدر نفسه كتب هذه المسرحية، ليذكّر العالم بأن السياسة فن الممكن أولاً، وفن السخرية ثانياً.
منذ اندلاع شرارة الثورة في سوريا عام 2011، لم يكن المشهد سوى مسرحية عبثية تجمع بين نظام باقٍ على كرسيه بأي ثمن، وفصائل مسلحة تتقاتل على أرض تتغير فيها الولاءات كل يوم، مع جمهور دولي يراقب ويشارك بين الحين والآخر بصفعات دبلوماسية خفيفة أو دعم سري.

لطالما كانت روسيا نصيرة أمينة لنظام “حزب البعث”، من الأب حافظ إلى الابن بشار، الذي فرّ إليها يوماً ما بجلده وماله بعد أن اهتز أركان سلطته، ليجد في موسكو حضناً دافئاً لدرجة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استقبله كما يُستقبل صديق قديم، غير آبه بالصور والاتهامات الدولية.
جاء عام 2011 وما بعده، والصراع السوري يتحوّل إلى حلبة دولية مفتوحة: سقوط المدن بيد المعارضة، ظهور فصائل مصنفة إرهابياً، تدخّلات إقليمية ودولية، وروسيا التي لم تترك فرصة إلا استغلتها لتعزيز نفوذها. وبعد 13 عاماً من الدم والمعاناة، سقط النظام، ليفتح الباب أمام مرحلة جديدة من “المفاجآت السياسية” التي لم يكن أحد يتوقعها.
وها نحن اليوم نشهد حدثاً يُضحِك أو يُذهِل: زيارة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) إلى موسكو، واستقباله كضيف مُعزّر مُكرّم، بعدما كان قائداً لفصيل إرهابي، وكأنه يقول للعالم: “السياسة لعبة واللاعبون يتغيرون، لكن المسرح دائم”.
هذه الزيارة ليست مجرّد لقاء عابر، بل تحفة في فن إدارة التحوّلات: الجمع بين الماضي الملطخ والواقع الجديد، وإعادة صياغة الأدوار في مشهد يبدو أكثر كوميدية من مأساوي، والأنكى ما نحت إليه مخيلة الكثيرين من تسليم “بشار المخلوع” إلى النظام السوري الجديد للاقتصاص منه، على غرار ما جرى مع العديد من الرؤساء الذي سقطوا تحت نعال الشعب.
يوضّح المشهد السوري اليوم شيئاً واحداً بجلاء: في لعبة الأمم، لا شيء مقدس، لا نظام ولا ثورة، ولا حتى تصنيف إرهاب. كل شيء قابل للتفاوض، وكل “عدو” محتمل أنْ يصبح صديقاً أو ضيفاً في أي لحظة، خصوصاً إذا كانت موسكو خلف الكواليس.
السخرية في السياسة هنا ليست فقط أداة نقد، بل حقيقة واقعية: أي تحرّك سياسي أو عسكري في سوريا اليوم هو إعلان عن إمكانية إعادة كتابة التاريخ وفق مصالح الفاعلين، وروسيا دائماً في موقع “الديكتاتور المرحّب”.
في النهاية، يبدو أنّ السياسة السورية منذ 2011 وحتى اليوم لم تكن سوى سلسلة من المفارقات والسخرية المباشرة: الأسد يرحل، الفصائل المُسلّحة تتحوّل إلى جيش دولة وشركاء مفاوضة، وروسيا، كما كانت دائماً، تصنع المسرحية الكبرى، بينما العالم يكتفي بالمشاهدة، أحياناً بدهشة، وأحياناً بضحك مرّ.
مصطفى شريف – مدير التحرير



