اختبار جديد لموقع الحزب في بيروت وتقبّل صورته خارج الضاحية: هل يُسمح لـه بإضاءة صخرة الروشة؟
صخرة الروشة من صلاحيات وزارة الأشغال.. وكورنيشها من صلاحيات البلدية

لعل السجالات التي اندلعت حول مبادرة “حزب الله” لإضاءة صخرة الروشة بصورتي أمينيه العامين الراحلَين، حسن نصرالله وخلفه هاشم صفي الدين، تجاوزت حدود إحياء ذكرى، أو إبراز حضور سياسي. المسألة تبدو أبعد: اختبار جديد لموقع الحزب في بيروت، ولمدى شرعيته الرمزية داخل العاصمة، ولقدرة المدينة، أو عجزها، عن تقبّل صورته خارج الضاحية الجنوبية.
صخرة الروشة… الضوء والظل
اعتراض نواب بيروت جاء سريعاً وحاداً، أشبه بردّ فعل على “غزوة جغرافية”. بالنسبة إليهم، الصخرة ملك للمدينة، للواجهة البحرية، لـ”بيروت” فكرةً ورمزاً، لا يجوز أن تتحول منارة لحزب. في المقابل، تعامل جمهور الحزب مع الاعتراض كأنه فرصة لتأكيد النفوذ “المقاوم”: ها هي العاصمة أيضاً في مرمى الضوء، مهما حاول ممثلوها الادعاء بالعكس.
وراء هذا الجدل برزت مسألة بيروت نفسها: المدينة التي ما زالت تُقرأ عبر طوائفها، وعبر مركزها وضواحيها، ومنطق “مَن ينتمي ومَن يحق له أن يطلّ بوجهه على واجهتها البحرية”. فكل قصة في لبنان صالحة لأن تصبح موضوع نقاش يفرز اللبنانيين في ما بينهم. وكل موقف يُقال، يُترجم أو يُقاس بميزان الحسابات الانتخابية، خصوصاً أننا على مقربة من استحقاق نيابي، حيث كل شيء يُحسب ويُقَرْش انتخابياً، ولو كان الحدث عابراً.
أمين شري
وتقول مصادر مطلعة على موقف “حزب الله”، لـ”المدن”، إن “السيد حسن رمز من رموز لبنان، وأهل بيروت انتخبوا أمين شري الذي حصل على أكثر من 26 ألف صوت، وفي المقابل، نواب بيروت مجتمعين لم يحصدوا هذا الرقم”. وتضيف المصادر في تعليقها على ردود الأفعال: “هذا البلد خليط، وهذا بلدنا مثلنا مثل غيرنا. نحن دافعنا عن كل لبنان: عن المسيحي والسني والدرزي والشيعي.”
الصلاحيات المشتتة
أما الدولة، وكعادتها، فظهرت على المسرح لتؤدي دورها المفضل: الارتباك. مَن يملك القرار؟ البلدية؟ وزارة الأشغال؟ البحر لمَن؟ النتيجة: تضارب في الصلاحيات، مواقف متناقضة، وارتباك جماعي لا يخيب ظن اللبنانيين.
هذا التشابك بين الجهات، وتداخل المسؤوليات، جعل من المبادرة اختباراً إضافياً لفوضى النظام اللبناني. فكل ما هو على أرض بيروت (المساحة البرية) يحتاج موافقة المحافظ، لكن الصخرة تابعة لوزارة الأشغال، كونها تقع في البحر؛ أي أن المشروع، إن وُضع “البروجيكتور” على البر، يحتاج إذن المحافظ. أما الصورة على الصخرة نفسها، فالإذن مطلوب من وزارة الأشغال.
وتقول مصادر من بلدية بيروت لـ”المدن”: “لم يتقدموا بأي طلب، وإذا تقدموا فلن نوافق، لأن هذه مواضيع خلافية”. أما وزارة الأشغال فلم تتلقَّ أي طلب بعد للحصول على إذن.
في لبنان، أيّة قضية، مهما صغرت، تفتح باباً للنقاش والجدل. منها ما يُطوى بخلاصة هادئة، ومنها ما ينتهي بصراع معلّق. ومع “حزب الله”، الأمر أوضح: فكل محاولة لعزله أو محاصرته لا تزيد جمهوره إلا تشبثاً به، وهو ما قد ينفجر في لحظة ما.
تراكم الخلافات
الواقع أنه خلف هذه المشادات تكمن قصة أعمق. اللبنانيون لم يحددوا موقفهم من “حزب الله” فجأة. إنه تراكم طويل: من “التورط” في حروب الآخرين كما يراه خصومه، إلى ما يعتبره أنصاره حرباً وجودية دفاعاً عن لبنان وبقائه. مسارٌ بدا أحياناً كاغتراب متعمّد عن فكرة لبنان نفسها. ومن هنا، أي فعل يقوم به الحزب في العاصمة يُقرأ كأنه غريب أو دخيل، حتى لو كان مجرد صورة تُلقى على صخرة لرجل رحل جسداً، لكنه حاضر بنفوذه ورمزيته.
انقسام حاد
المفارقة أن الصخرة نفسها أُضيئت مراراً في مناسبات أخرى: تضامناً مع فرنسا، مع بلجيكا، برفع علم فلسطين، بشعارات بيئية.. يومها لم يُطلب إجماع اللبنانيين، ولم يُطرح اعتراض واسع. لكن حين يُسلَّط الضوء باسم “الحزب”، ينقلب الأمر قضية سياسية تأخذ أحياناً بُعداً مناطقياً أو طوائفياً، ويصبح الفعل في حد ذاته استفزازاً ومثار سجال لا ينتهي. ولعل الفكرة هذه تطرح سؤالاً أعمق: هل الاعتراض على الصورة هو نتيجة الطابع الخلافيّ لحزب الله، أكثر من سواه من الأحزاب والتيارات، بين كونه لبنانياً أو “حزب ولي الفقيه” أو لاعباً إقليمياً؟ أم إن البيارتة كانوا ليُظهروا الرفض نفسه في حال كانت الصورة لبشير الجميل، مثلاً؟
غير أن الإشكالية العويصة، لا تلغي الازدواجية التي يعرفها اللبنانيون جيداً: نضيء معالمنا للعالم بلا حرج، لكننا نكاد نطفئها إذا طلبها جارنا، وفق ما يقول مناصرو الحزب، متسائلين: ما المشكلة في أن توضع صورة الأمينين لبعض الوقت؟ مجرد فعل رمزي وعابر… ويضيف هؤلاء: “لكن الكيد السياسي جعل التعليق على الحدث يذهب بعيداً، إلى درجة نزع صفتة الأساسية”.
ما يحدث هو انعكاس لواقع مأزوم في لبنان، وانقسام حاد في صفوف أبنائه. لكن، هل الفعل، إن حصل، يستحق هذا الرد القاسي والعنيف؟ ومن جهة أخرى، هل يحتاج “حزب الله” فعلاً إلى هذه الخطوة الرمزية التي من المتوقع أن تستدرج مثل هذه الردود؟
لا يمكن فصل ما جرى عن طبيعة اللحظة اللبنانية. كل حدث، مهما صغر، يتحول مادة للاشتباك. من هنا، يمكن القول إن الفعل في حد ذاته قد لا يستحق هذا القدر من الانفعال، لكنّه في لبنان يستدرج تلقائياً كل هذا الغضب. ليس لأنه مهم بذاته؛ بل لأنه يقع في قلب الانقسام. إنه انعكاس لواقع مأزوم، حيث كل تفصيل عابر يتحول إلى قضية وجودية.
في النهاية، لم تكن المسألة مجرد صورة تُعرَض على صخرة، بل المعضلة الأكبر، معلّقة منذ عقود: هل بيروت مدينة للجميع حقاً كما يراد لها أن تكون؟ أم أنها ستبقى ساحة نزاع على الرموز، حيث يسعى كل طرف لأن يرى صورته وحدها منعكسة على بحرها؟
المدن



