الذكرى الأولى لتفجير “البيجر”: “عيونا عيونكم وتعافينا”… روحيًا واجتماعيًا!

على الكورنيش البحري في بيروت، حيث يلتقي البحر بالمدينة، بدا المشهد اليوم أشبه بجرح مفتوح على الهواء. لم يكن مجرد تجمع عابر، بل استعادة لذاكرة انفجار لا يزال يدوّي في الجسد والروح: الذكرى السنوية الأولى لتفجير أجهزة “البيجر”.

نحو 500 متظاهر أتوا من كل الاتجاهات والأعمار للمشاركة في المسيرة، وكان حضورهم أشبه ببيان سياسي وعاطفي في آن واحد. نساء سافرات، وأخريات في عباءات سوداء، وأطفال يركضون بين الأعلام، رجال صلبون متكئون على عكازات أو على جراح لم تلتئم بعد. رايات حزب الله وأعلام لبنان والحزب القومي السوري وفلسطين امتزجت فوق الرؤوس، فيما كتب على اللافتات بخط كبير: “عيونا عيونكم” و”تعافينا”…

وجوه متناقضة

هنا لا يمشي الناس وحدهم، بل تمشي جراحهم معهم. المكبرات تبث أغاني جوليا بطرس “أحبائي” و”يا حبيبي يا جنوب”. الأصوات تتداخل مع الموج، بعضها يهتف، بعضها يغني، وبعضها يكتفي بالدموع. من الجنوب، جاءت فرح لتقول”عم شارك لأن هالشباب قدموا أغلى ما لديهم، ونحن نؤكد لهم أننا لن ننساهم. هذه تضحية لكل لبنان.”

وعلى كرسي متحرك، دفعت امرأة نفسها بصعوبة لتكون في قلب المسيرة، فيما وقف محمد علي، بساق مكسورة، قائلاً لـ”المدن”: “أتيت من الصرفند على رجل وحدة لأن أصدقائي أصيبوا وفقدوا أرجلهم”.

المفارقة لم تكن عابرة، بل جزء من المشهد نفسه. ففي وسط حشد يرفع صور الشهداء وينشد الأناشيد، برزت هنادي الآتية من الشمال، تضع صليباً صغيراً يتدلّى من عنقها، كأنه علامة على انتماء آخر لكنها تصر على قوله بصوت واضح: “أتيت لأنني مع المقاومة.”

وعلى الصخور حيث تنكسر الأمواج، بدا المشهد مختلفًا تمامًا: شبان بقمصان مفتوحة أو نصف عراة، يسبحون، وآخرون يجلسون حول طاولة خشبية يلعبون الشطرنج، يضحكون، يتبادلون النكات. كأنهم معزولون عن المسيرة كليًا، أو كأنهم اختاروا أن يردّوا على الذكرى بطريقتهم الخاصة.

وعلى مقربة أمتار، كانت خمسينية تهمس لصديقتها بلهجة بيروتية حادة: “شو جابن لهون؟ خليهم بمناطقهم. بيروت إلنا”. جملة تكشف انقسامًا دفينًا، كأن المكان لا يتسع للحزن المشترك، بل يُعاد تقسيمه وفق خرائط الانتماء.

هذا التناقض ليس جديدًا على بيروت. المدينة التي عاشت الحروب والاغتيالات والانفجارات، كانت دائمًا تجمع بين من يشيّعون ومن يرقصون في الليلة نفسها. هنا، لا يوجد خط فاصل بين المأساة والاعتياد، بل يتعايشان كتوأمين في جسد واحد.

أصوات الجرحى

الذكرى لا تزال تنزف، كما لو أن أيلول/سبتمبر 2024 لم ينتهِ بعد. المأساة التي أودت بحياة 39 شخصًا، وأصابت أكثر من 3400 آخرين، بينهم أطفال ومدنيون، تعود لتفرض نفسها كواحدة من أكثر اللحظات دموية وغموضًا في تاريخ لبنان الحديث. يومها فجّرت إسرائيل آلاف الأجهزة بشكل متزامن، في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى، بعدما أخفت داخلها شحنات صغيرة من مادة متفجرة وصواعق دقيقة. تحولت الأجهزة، التي كان يُفترض أن تُستخدم في التواصل الميداني، إلى قنابل موقوتة انفجرت جميعها بلمسة زر من بعيد.

علي إبراهيم، أحد جرحى “البيجر”، فقد عينيه الاثنتين في التفجير. قال لـ”المدن: “هذه السنة كانت صعبة ومليئة بالتحديات، لكننا تعافينا روحيًا واجتماعيًا، صرنا مؤثرين أكثر، وما زدنا إلا إصراراً وإرادة .”

بين الذهب والدم

تفجير “البيجر” لم يكن مجرد هجوم عابر. ظلّت خلفياته وملابساته مادة للتأويل والاتهامات. وحسب المتداول بعض هذه الأجهزة كانت قد أُرسلت إلى إيران، بعدما شكا عناصر الحزب من سرعة نفاد بطارياتها. وحين لم يفلح التقنيون في لبنان في اكتشاف طبيعة المواد المخفية داخلها، فجّرتها إسرائيل من بُعد، في اليوم الثاني من إرسالها إلى إيران.

بعد هذا التفجير الذي حصد الأرواح وخلف عشرات الإعاقات أطل رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو مغتبطاً وأهدى “البيجر الذهبي” إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. كأن الحدث أشبه برد متأخر، ونسخة مقلّدة، عن “الكورنيت الذهبي” الذي أهداه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السيد حسن نصرالله. كانت الأمر بمثابة احتفاء بقدرة هذه الصواريخ التي دمّرت عشرات دبابات الميركافا خلال حرب تموز العام 2006، والتي تتباهى إسرائيل بها.

عام مرّ، والجرح مفتوح. الذكرى لم تتحول بعد إلى تاريخ، ولا الألم إلى رواية مستقرة. وبين من يرفع العلم، ومن يمسح الغبار عن قبر، ومن يضحك على صخرة في البحر، تظل المأساة معلّقة: لم تنتهِ، ولم تبدأ بعد فصولها الأخيرة.

نغم ربيع- المدن

مقالات ذات صلة