رُسم السيناريو بعناية: جلسةُ الـ”لا غالب ولا مغلوب” وبيانُ التفسيرات المتناقضة

وكأن الجميع أراد لتحركه أو مناورته أو خطواته أن تكون تحت السقف. تحت سقفٍ لا أحد قادر على تجاوزه، لا مع الخارج، ولا مع في الداخل. رُسم السيناريو بعناية، بما يرضي ويحفظ وجوه كل القوى. بدأت القصة منذ المطالبة بإدراج بنود جديدة على جدول أعمال الجلسة لعدم حصر النقاش ببند وحيد، كي لا يعترف الثنائي الشيعي بقراري 5 و7 آب. في تلك الجلستين أقرت الحكومة مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، وكلفت الجيش إعداد خطة تنفيذية لتحقيق ذلك، من الآن وحتى نهاية السنة.

حُدّدت جلسة الخامس من أيلول لتقديم خطة الجيش، الذي عمل على إعداد خطة مفصلة لا تحتوي على مهل زمنية. وهنا سينقسم اللبنانيون كعادتهم في التفسيرات والتفسيرات المضادة، البعض سيعتبر أن الجيش يجب أن يتحرك ضمن المهلة التي أقرتها الحكومة سابقاً لتطبيق خطته. والبعض الآخر سيعتبر أن ما حصل في جلسة 5 أيلول هو تحرير الجيش من المهل؛ إذ سيتحرك ضمن الإمكانات المتاحة، وأن استكمال عملية سحب السلاح تحتاج إلى مساعدات داخلية وخارجية، وإلى انسحاب إسرائيلي.

بمجرد إضافة البنود على الجلسة، وتأكيد مشاركة وزراء الطائفة الشيعية، أُفسِح في المجال أمام مناقشة خطة الجيش وتبنيها أو الترحيب بها. إذ إنه على الرغم من انسحاب الوزراء الشيعة لا يمكن اعتبار الجلسة فاقدةً الميثاقية، فما داموا قد حضروا وانسحبوا؛ فهذا يعني في التفسير القانوني أو الدستوري بأنهم صوتوا ضد القرار. علماً أنهم لو تغيبوا من الأساس عن الجلسة لكان النقاش حينها في مسألة الميثاقية وفقدانها ممكناً، علماً أن هذا يؤسس تفسيراتٍ دستوريةً متناقضة، بين الميثاقية المذهبية أو الطائفية. في كل الأحوال كان ذلك نوعٌ من “اللعب” تحت السقف. وهو ما استُكمل في مقررات الجلسة الوزارية التي اكتفت بالترحيب بخطة الجيش من دون استخدام عبارة إقرار الخطة، ولا وضع جدول زمني، أو الالتزام به لتطبيقها.

وكنوع من استكمال “صورة التوازن” كان لا بد من الإشارة إلى ضرورة التزام إسرائيل، باتفاق وقف إطلاق النار، والانسحاب ووقف الاعتداءات كي يتمكن الجيش من استكمال بسط سيطرته. ذهب البيان الحكومي أبعد من ذلك، باتجاه المرور على ورقة الموفد الأميركي توم باراك، والتشديد على ضرورة التزام إسرائيل وسوريا بها كي يلتزم لبنان ببنود تطبيقها، وهذه نقطة سيستخدمها الثنائي الشيعي لمصلحته في إطار رؤيته للتعاطي مع ملف السلاح، وعدم الالتزام بتسليمه أو حصره بيد الدولة قبل الحصول على تنازلات إسرائيلية وضمانات أميركية بهذا الشأن.

حتماً، كان الجميع يتوقع الأفضل بالنسبة إليه. فمؤيدو قراري الحكومة وهم معارضون لحزب الله، كانوا يريدون أن تتخذ الحكومة قراراً واضحاً بإقرار خطة الجيش وتحديد المهلة الزمنية لسحب السلاح، وإعطاء القرار السياسي اللازم للجيش ببدء التنفيذ. ذلك لم يحصل، لكن هؤلاء سيذهبون إلى تفسيراتهم التي تعتبر أنه بين جلستي 5 آب و5 أيلول هناك تكامل، وأنه يجب لخطة الجيش أن تنطلق مما كان قد أُقر في جلسة 5 آب ومهلها الزمنية. لكن بالنسبة إلى الثنائي الشيعي فإن التفسير سيكون معاكساً إلى حد اعتبار أن قرار 5 أيلول قد جمَّد قرار الحكومة في 5 آب، وتحرر من المهلة الزمنية.

أما الثنائي الشيعي الذي كان يطالب بإلغاء قراري 5 و7 آب، أو تراجع الحكومة عنهما، لم ينل ما يريد، لكنه خرج راضياً بالنتيجة، وهو الذي يعلم أنه غير قادر على تحصيل أكثر، ولا القيام بأي تحركات يمكن أن تؤدي إلى نتيجة، لا سيما أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يرفض التحرك في الشارع، ومسؤولو حزب الله سارعوا إلى التأكيد بأنهم مستمرون في الحكومة، وانسحاب الوزراء هو انسحاب من الجلسة اعتراضاً على قرار، وليس انسحاباً من مجلس الوزراء.

صِيغَ البيان الحكومي بعنايةٍ فائقة، وعلى نحوٍ متماسك، جعلت الكثيرين يتوهون في عباراته ومفرداته على الرغم من وضوحها اللغوي الكامل، لكنَّ الاختلاف سيبقى قائماً في تفسيرها السياسي، وكل سيفسّر وفق ما يرتئيه أو يتوافق مع وجهة نظره. لكنها كانت الطريقة الأنسب لتجنب المزيد من التصعيد أو الصدام أو الانقسام الحكومي. إنها خطوة جديدة تخطيها الحكومة على طريق سحب السلاح، في حين يريدها حزب الله أن تكون خطوة في “الهواء”، أو خطوة على خط الدوران في المكان نفسه، والاتجاه نحو المزيد من المراوحة من دون تحقيق أي تقدم. هنا لا بد من ترقب ردود الفعل الدولية وكيفية تلقف واشنطن وتل أبيب لذلك، في الخلاصة، لن تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب الإسرائيلي غير مطروح حالياً، في حين أنَّ الجيش اللبناني سيواصل عمله ضمن الامكانيات المتاحة، والسجالات اللبنانية الداخلية ستبقى قائمة على قاعدة الانقسام الذي لن يجد طريقاً إلى حالة الاجتماع.

المدن

مقالات ذات صلة