إنها الاستباحة الإسرائيلية الشاملة لكل القواعد وفي كل المناطق أو “الأقاليم”!

تكريسُ الاستباحة” هدفُ إسرائيل الحقيقي في لبنان وسوريا

 

إنها الاستباحة الإسرائيلية الشاملة لكل القواعد وفي كل المناطق أو “الأقاليم”. بمعزل عن نظرية “التوسع الجغرافي” أو نزعة “إسرائيل الكبرى” التي يتحدث عنها المسؤولون الإسرائيليون وانعدام قدرتهم على تحقيقها، إلا أن كل الممارسات التي يقدمون عليها سواء في غزة، الضفة الغربية، لبنان، أو سوريا تشير إلى أن تل أبيب تتعاطى وفق منطق إسرائيل الكبرى أو صاحبة اليد الطولى التي تطال طهران عسكرياً وأمنياً، كما تطال كل الدول الأخرى سياسياً، كما هو الحال بالنسبة إلى التصريحات أو التلميحات الإسرائيلية حول رسم خطوط حمر في سوريا أمام تركيا.

عملياً تتحدى إسرائيل كل الدول أو “المجتمع الدولي”. فهي على خلاف من حيث الشكل بالحدّ الأدنى مع الولايات المتحدة الأميركية حول الملف السوري. وتختلف مع دول أوروبية كثيرة حول استمرار الحرب على غزة، وتضرب كل المنطق العربي القائم على حل الدولتين باستعدادها لمناقشة فرض سيادتها على الضفة الغربية ومواصلة الحرب، وتستمر في حال المواجهة مع إيران، وترسم الخطوط الحمر أمام تركيا في سوريا من خلال فرض شروط على دمشق بعدم الدخول في اتفاقيات عسكرية مع أنقرة ورسم حدود أمام النفوذ التركي على الأراضي السورية.

يؤشر الانزال الإسرائيلي في جبل المانع بريف دمشق إلى مدى الاستباحة الإسرائيلية لكل المنطقة، وهو يذكر بانزال أجراه الإسرائيليون أيام النظام السابق في منطقة مصياف قبل حوالى سنة، لتفكيك منشأة إيرانية. ولطالما اعتمدت إسرائيل أساليب الكوموندوس أو الانزال، ومثل هذه العمليات تحسَّب لبنان لحصولها أيام الحرب الأخيرة ولا يزال احتمالها قائماً، خصوصاً إذا ما وجدت أن ضرباتها الجوية غير قادرة على الوصول إلى مواقع ومخازن أساسية واستراتيجية بالنسبة إلى الحزب. وتزداد فرضية احتمال حصول انزالات أو عمليات كوموندوس أو توغل بالنظر إلى عمليات التوسع الإسرائيلية التي تجري في جنوب لبنان، إذ أصبحت إسرائيل تسيطر على ثماني نقاط بدلاً من خمس، وتتقدم باتجاه السيطرة على نقطة تاسعة.

عملياً، تسعى إسرائيل أيضاً إلى ربط بعض هذه المواقع بعضها ببعض من الناحية العسكرية أو “بالنار” إلى جانب عمليات التحصين التي تجريها، وتشير إلى أن احتلالها سيكون طويلاً، وذلك لا ينفصل عن التوغل المتواصل داخل الأراضي السورية منذ سقوط نظام الأسد والسعي إلى السيطرة على نقاط أساسية واستراتيجية أهمها نقطة مرصد جبل الشيخ والتي تشرف على دمشق وعلى مناطق واسعة من جنوب لبنان والبقاع. وفي الفترة الماضية توغلت القوات الإسرائيلية باتجاه قطنا في ريف دمشق، كما توغلت باتجاه بلدة رخلة وهي نقطة استراتيجية أيضاً تشرف على البقاع اللبناني وعلى طريق المصنع، من دون اغفال النقاط الإسرائيلية في بيت جن ومن خلالها يمكن جعل جنوب لبنان بين فكي كماشة.

تسعى إسرائيل إلى فرض قواعد جديدة عسكرياً وسياسياً، وخصوصاً في سوريا إذ تبدو وكأنها تريد رسم خرائط جديدة لحدود النفوذ ولا سيما لأنقرة. فالشروط الإسرائيلية التي تفرضها تل أبيب على دمشق بعدم التسلح من الجيش التركي، وعطفاً على ضربات إسرائيلية سابقة استهدفت نقاط عسكرية في وسط سوريا ولا سيما حمص وحماه كانت تريد من خلالها رسم الخط الأحمر أمام تركيا التي كانت تعتزم إقامة قواعد عسكرية في تلك المحافظتين، لكن الأهم يبقى بالنسبة إلى إسرائيل هو دمشق وريفها الجنوبي الذي لا تريد فيه نفوذاً واسعاً لتركيا ولا وجوداً عسكرياً قوياً وفعلياً للجيش السوري.

أما في لبنان، فإن أهداف إسرائيل تتضح أكثر فأكثر. فهي تسعى إلى تكريس منطقة عازلة بقوة النار حالياً، وباتفاق بالقوة وبالضغط الدولي على لبنان للرضوخ لمعادلة إقامة منطقة اقتصادية أو صناعية خالية من السكان في قرى الشريط الحدودي، إضافة الى احتفاظها بالنقاط التي تحتلها، واستمرار سيطرتها الجوية لمنع حزب الله من استعادة قوته من جهة، ولمنعه من القيام بأي عمليات صيانة لأسلحته في المخازن، إذ إنها ستستهدف أي حركة من جانب عناصر وكوادر الحزب باتجاه هذه المخازن والمواقع، وتريد للسلاح أن يتحلل داخلها. ذلك يقود إلى معادلة واضحة، وهي إصرار إسرائيل على إبقاء الوضع على حاله مع لبنان، لتكون فيه قادرة في أي لحظة على توجيه الضربة التي تريدها على الهدف الذي تريده، ولا تلقى أي ردة فعل لا من حزب الله ولا من غيره.

المدن

مقالات ذات صلة