خاص – “ما تطوّلوا علينا”.. صرخة وطن يصدّر أبناءه: “إنت ورايح يا رايح، فضيت كل المطارح”..!!

عند معبر المُغادرين على مدخل مطار رفيق الحريري الدولي ببيروت، ترتفع لوحة بلون السماء، كأنّها تنادي العائدين والمغادرين على حدّ سواء: “ma byenchaba3 menkon ma tawlo 3layna”.. أو “ما بينشبع منكم، ما تطوّلوا علينا.”

عبارة قصيرة بحجم الأحرف والكلمات، لكنها أعمق من أنْ تكون إعلاناً تجارياً. هي صرخة بلدٍ أنهكه الفراق، وباتت بيوته لا تضجّ إلا بأصوات كبار السن. شبابه لم يبقَ لهم متّسع في أحضانه، فراحوا يفتّشون عن مستقبلهم بعيداً عنه، بين جامعات الغربة أو في منافٍ فرضتها ظروف قاسية، عملٌ مفقود هنا، وكرامةٌ مستنزفة هناك.

تحوّل لبنان إلى بلدٍ مُصدّر لأبنائه وعقوله وطاقاته الشابة.. ولسان حال الأهل لبلسمة “وجع البُعاد”: “كتّر خير الله.. سافروا ليعيشوا بكرامة”، بعيداً عن أزمات الداخل وليالي العتمة وأصوات الموتوسيكلات التي لا تنام، فهناك في بلدان الغربة، وجد كثير منهم وظيفة تحفظ مستقبلهم، أفضل من “عطالة مريرة” كانت بانتظارهم هنا، لكن ما وجدوه من عملٍ وكرامة، فقدوا معه دفء العائلة وحنان الأهل، إذ يعيش المغترب وحيداً، فيما الأهل في الوطن لا يمنّون النفس بأمل اللقاء القريب!!

فجأة تتحوّل البيوت إلى فرحة كبيرة مع وصول الأبناء من الاغتراب في مواسم الصيف والأعياد والمناسبات.. الزوايا تضجّ بالضحكات والحياة، الجدران تستعيد أنفاسها مع خطواتهم، والمطابخ تستفيق على نكهات كانت غائبة، ولكن، ما أنْ يقترب موعد الرحيل، حتى يخفت الصوت، تختنق الضحكات في الصدور، وتبدأ الكلمات بالاختصار إلى حين الوداعٍ، حيث يُغلق الباب على الأنين، وتبقى الكراسي فارغة بانتظار عودة قد تتأخّر!!!

في لحظة المغادرة، يُخيّم صمت ينهش الأرواح، وتسير الدموع في جنازة الأفراح فلا عزائم ولا دعوات، ولا ليالٍ عامرة، فقط فراغ يُذكّر بوجوه غابت للتو، وكأنّ الوجع يقول: “إنت ورايح يا رايح، فضيت كل المطارح”..

“ما بينشبع منكم، ما تطوّلوا علينا.”. لم تُكتب عبثاً لأنّها رسالة حبّ من وطنٍ يخشى أنْ يُترك وحيداً، فيهمس بآذان أبنائه: أنتم النبض، أنتم الشباب، أنتم الحياة والأمل والمستقبل، ومن دونكم لا معنى للزمان، ولا طعم للمكان، لذلك ستبقى الأبواب مفتوحة والقلوب مشتعلة بالرجاء، لأنّ لبنان، مهما أثقلته الأزمات، فهو يُشبه أمّاً لا تعرف اليأس، تنتظر أبناءها على مفترقات الزمن، وتجهّز لهم حضنها قبل بيتها، فيما يخبّئ الوطن في أزقّته وأرزه وسمائه وعداً بالعودة.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة