قبلان بمواجهة الرّاعي: هل استفزّه أن يقول البطريرك “المقاومة ليست خضوعاً لإملاءات إيران “؟

كلّما أدلى البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بتصريح يتعلّق بلبنان والسلاح والدولة، يتنطّح للردّ عليه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، ودائماً بلغة يحرص حتّى العامة على النأي عنها. ردُّ الأخير غالباً ما يذهب إلى لغة تخوينيّة يضع فيها السلاح مقابل الدولة ووجودها.
“سلاح “الحزب” سلاح حركة “أمل”، وسلاح “الحزب” وحركة “أمل” سلاح الله ولا توجد قوّة بالأرض تستطيع نزعه”، بهذه العبارة وغيرها ممّا يستبطن تخويناً واتّهامات شتّى، ردّ المفتي قبلان على تصريحات البطريرك الراعي، في ما يخصّ تسليم “الحزب” سلاحه.
أن يهاجم سياسيّ لبناني سياسيّاً لبنانيّاً آخر، وتنزل لغة الخطاب بينهما إلى درك ما سبق، أمرٌ مفهوم: سياسيّان يتنافسان على مصلحة ما أو في سياق قضيّة معيّنة. نحن اللبنانيّين معتادون “خطاباً” كهذا. مردّ الانقسام اللبناني الواضح أوّلاً وأخيراً إلى تلك التصريحات الهجوميّة، وهي أيضاً السبب الأوّل خلف ما نحن فيه، والباعث الحقيقي على خطاب كراهية لا ينفكّ ينتشر في ربوع لبنان وعلى ألسنة أبنائه جميعهم. لكن أن ينتقل الأمر ليصير لغةً معتمدةً لدى رجل دين، أو وسيلة تعبير مفضّلة لدى مرجعيّة دينية، فهذا ما ليس مقبولاً أو معقولاً.
ماذا قال الرّاعي؟
ما صرّح به البطريرك الراعي ليس فيه جديد أو ما يختلف عمّا يقوله اللبنانيون جميعاً بمن فيهم حلفاء “الحزب”: “انسحاب إسرائيل من لبنان سيسهّل نزع سلاح “الحزب”، “هناك إجماع لبناني حاسم على تنفيذ قرار نزع سلاح “الحزب”، و”كلام الأمين العامّ لـ”الحزب” مزايدة ولا وجود لحرب أهليّة”.
ما الذي لم يرُق لقبلان في ما سبق؟ هل استفزّه أن يقول البطريرك “المقاومة ليست خضوعاً لإملاءات إيران. “الحزب” كان مخترقاً داخليّاً وجرّد المقاومة من مفهومها الحقيقي” أم مطالبته “الحزب” بإعلان ولائه النهائي للبنان؟ ألم يقُل الأمناء العامّون لـ”الحزب” كلّهم وردّد نوّابه وعناصره ولا يزالون أنّ ولاءهم المطلق للوليّ الفقيه؟
هل ساء قبلان أن يلتفت من أُعطي له مجد لبنان إلى “أبناء الطائفة الشيعية” الذين “سئموا الحرب ويريدون العيش بسلام”، بخلفيّة أنّ لكلّ طائفة من يتحدّث إليها وباسمها حصراً من رجال الدين، وممنوع أن يخاطب رجل دين رجل دنيا لا يتبع ملّته؟
أم ما ساءه قول الراعي: “لا مانع من السلام مع إسرائيل مستقبلاً عندما تكون الظروف مناسبة”؟ من هو رجل الدين العاقل والسياسي الحاذق والمحنّك الذي يجهر بغير هذا في العالم العربي كلّه؟ أم المفتي قبلان لا يزال يقرأ منشورات حزبيّة من زمن لم يبقَ منه شيء ولا نزال نقطف ويلاته إلى أيّامنا هذه؟
المفتي المتمرّس
ليست هذه المرّة الأولى التي يردّ فيها المفتي قبلان على البطريرك الراعي، فهو متمرّس ومتخصّص في الردّ عليه دائماً. لم لا يتخصّص في ملاقاته عند منتصف الطريق، أو الذهاب إليه ومخاطبته بلغة العقل والمنطق بعيداً عن آذان الناس، أم الردح من بعيد أشدّ أثراً وأكثر فاعليّةً في رأب الصدع وتقريب وجهات النظر؟ لماذا لا يلتزم لغة الفقهاء الشيعة؟ لماذا لا يسير على درب السيّد الراحل محمد حسين فضل الله أو الشيخ محمد مهدي شمس الدين؟ لم لا يقرأ في كتاب السيّد علي السيستاني؟ أو لماذا لا يرجع إلى الينابيع الأولى، إلى الإمام موسى الصدر: هل كانت لغة خطابه على هذا النحو؟
أسلحة الله
أن يردّ قبلان على الراعي أمر ليس جديداً بل هو مألوف لدى اللبنانيّين. غير المألوف هو ألّا يردّ. لا يضير ردّ قبلان الراعي في شيء. فالأخير ماضٍ على درب سابقيه: من الأب الحقيقيّ للبنان البطريرك الياس الحويّك الذي لولاه ما كان “لبنان الكبير”، الذي طالبت إسرائيل بجنوبه منذ تلك الأيّام التي كانت فيها عصابات مُسلّحة، إلى البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير “أبي الاستقلال الأخير” والصخرة التي وقف عليها أحرار لبنان، منذ عام ألفين.
لكن هل يعلم المفتي أنّ تجديد الكلام عن “سلاح” لله يستدعي كلاماً “إلهيّاً” مضادّاً؟ ماذا لو قرّر البطريرك الراعي غداً التسلّح، وقال إنّ سلاحه هو “سلاح الله” و”سلاح مار مارون والموارنة”؟ وعلى هديه سار مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبداللطيف دريان وشيخ العقل لطائفة الموحّدين الدروز سامي أبي المنى والبطاركة كلّهم؟ هل يرضى المفتي قبلان أن تقول “القوّات اللبنانية” إنّ سلاحي “سلاح الله ولا توجد قوّة في الأرض تستطيع نزعه أو أخذه”؟ وكذلك أحزاب الكتائب والتقدّمي الاشتراكي والطاشناق و”التيّار الوطني الحرّ”…؟ وماذا لو قال هؤلاء إنّ مرجعيّتهم في سوريا والسعودية وفرنسا وأميركا… إلخ؟
من حقّ المفتي قبلان أن يعلن موقفه المتمسّك بالسلاح والرافض لتسليمه، كما من حقّ البطريرك أن يقول ما قال وما سيظلّ يردّده هو واللبنانيون. لبنان وطن الحرّيات كلّها. لكن ليس من حقّ قبلان اللجوء إلى هذه اللغة، كما ليس من حقّ الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم التلويح بحرب أهليّة كرمى لعيون السلاح. هل سأل قبلان نفسه يوماً ماذا ترك لعامّة اللبنانيّين؟ لأهل الدنيا لا الدين؟
تدمير البلد مرّتَيْن
ليس معقولاً ولا منطقيّاً أن ندمّر لبنان من أجل السلاح مرّتين: مرّةً للدفاع عن لبنان، وثانيةً للدفاع عن السلاح. لم يحمل البطاركة السلاح يوماً، ولا لجأوا إليه. وقبلهم لم يحمل مراجع الشيعة العظام السلاح ولا توسّلوه. عارض الإمام الصادق عمّه زيداً لقيامه في زمن ليس زمن قيام، وهذا زمن قعود لا زمن قيام.
الشيعة كما الموارنة، أهل كلمة. سلاحهم الكلمة لا الآلات القاتلة. فلماذا الإيغال في قيادة الشيعة إلى السلاح وإبعادهم عن الكلمة؟ ولماذا وضعهم في مواجهة سائر الطوائف اللبنانية، وفي مواجهة “العيش المشترك” بما هو ضمانة من ضمانات بقاء لبنان؟
ايمن جزيني- اساس



