“سلاحٍ منسوبٍ إلى الله” يصعّد السّجال إلى مستوى الهويّات: توسيع الشرخ المارونيّ–الشّيعيّ؟

بين بكركي والضاحية: مناوشةٌ عابرة أم شقٌّ يتسع؟
مساء 19 اب، بدا أنّ لبنان يتلقّى جولةً جديدةً من السّجال العالي النّبرة، لكن المحسوب الإيقاع. خرج البطريرك المارونيّ مار بشارة بطرس الراعي من لغة الخطب العامّة إلى لغة المقابلات المتلفزة، فسمّى الأشياء بأسمائها، معلنًا أنّ “الإجماع اللّبنانيّ حاسمٌ على تنفيذ قرار نزع سلاح حزب الله… وكلام نعيم قاسم مزايداتٌ ولا حرب أهليّة في لبنان”. وأردف أنّ “المقاومة ليست خضوعًا لإملاءات إيران”، داعيًا الحزب إلى “إعلان ولائه النّهائيّ للبنان”. وبهذا أطلق الراعي صافرة سجالٍ سياسيّ–دينيّ مرتفع النبرة، لكن بضبط إيقاع لافت بقوله أيضًا إنّ “الحوار مع حزب الله لم يتوقف”.
والحال أنّه، بين تشديدٍ على القرار الدّوليّ—المحلّيّ—بنزع السّلاح، وتطمينٍ إلى استمرار قنوات الحوار، وضعت البلاد أمام سؤالٍ مركزيّ: هل نحن إزاء مناوشةٍ عابرةٍ في علاقة بكركي والضّاحية، أم أمام شقٍّ يتّسع ويبتلع ما تبقّى من مساحات التّفاهم؟
موجة ردود فعلٍ متقابلة
جاء الرّدّ الأشدّ من المفتي الجعفريّ الممتاز أحمد قبلان الذي قال إنّ “سلاح حزب الله وحركة أمل سلاح الله، ولا قوّة على الأرض تستطيع نزعه”، مهاجمًا “الإجماع الحاسم” الذي تحدّث عنه الراعي، ومعتبرًا قرار نزع السّلاح “مجنونًا يخدم مصالح إسرائيل”. هكذا أدرج السّجال ضمن إطارٍ لاهوتيٍّ–وجوديّ، لا سياسيٍّ فحسب. وفي مسارٍ مقاربٍ لكن أقلّ حدّة، يتوجّه السيّد علي فضل الله إلى القيادات الدينيّة والرّوحيّة بدعوتهم إلى نشر قيم العدل والحرّيّة والعزّة، والتكلّم بلغة العقل والمحبّة، والنظر إلى مصلحة الوطن بعيدًا عن الحسابات الطائفيّة أو الشخصيّة، مع تعقيل السياسة بدل تغذية الانقسام. ويؤكّد أنّ الطائفة الشيعيّة ركنٌ راسخٌ قدّم تضحيات كبيرة دفاعًا عن سيادة لبنان واستقراره، داعيًا إلى الحفاظ على عناصر القوّة الوطنيّة وعدم التفريط بها استجابةً لإملاءاتٍ خارجيّة. وبهذا المزاج، بدا أنّ الخطاب الدّينيّ الشّيعيّ يراوح بين تأليه السّلاح بوصفه “سلاح الله”، والدّعوة إلى تعقيل السياسة وإبعادها عن التّحشيد الطّائفيّ.
على الضفّة المقابلة، ظهر اصطفافٌ داعمٌ لخطّ بكركي. اعتبر النائب زياد الحواط أنّ موقف الراعي “يعبّر عن رأي الغالبيّة السّاحقة من اللّبنانيّين” وتوقّع “تسليم السّلاح غير الشّرعيّ حتمًا وقريبًا”. وذهب حزب الكتائب إلى أنّ خطابات التّهديد الصّادرة عن قيادة حزب الله “لا تعبّر عن إرادة أبناء الطّائفة الشّيعيّة”، وأنّها تتماهى مع خطاب مسؤولين إيرانيّين. هكذا، وسمت ردود الفعل المسيحيّة المشهد بعنوانٍ سياسيٍّ صريح: استعادة الدولة لقرار الحرب والسّلم.
إلى جانب بكركي، سجّل “المركز الكاثوليكيّ للإعلام” أسفه “للحملة الشّعواء على الراعي”، داعيًا الجميع إلى “كنف الدّولة” ووقف “سياسة التّخوين”، ما منح موقف بكركي غطاءً كنسيًّا أوسع يتجاوز شخص البطريرك.
ورغم حدّة اللّغة المتبادلة، أعاد الراعي التّذكير بأنّ “الحوار مع حزب الله مستمرّ”، في إشارةٍ إلى أنّ القنوات الخلفيّة قائمةٌ ولو تحت الرّماد الحارّ. هنا ينهض سؤال المعنى: ماذا فعلت مقابلة الراعي؟ أأنتجت شرخًا طائفيًّا، أم أطلقت إعادة تموضعٍ في مسار ترتيب السّلاح وموقع الدولة؟
مناوشاتٌ داخليّةٌ عابرة
تتيح القراءة الأولى التّعامل مع المشهد بوصفه “ضبط توازن” بين ثلاث سرديّاتٍ متنافسة: سرديّة الدّولة، وقد انتقلت من الغموض إلى قرارٍ سياسيٍّ بتكليف الجيش وضع خطّةٍ لحصر السّلاح بمهلةٍ زمنيّة. وسرديّة “المقاومة”، الرّافضة نزعه قبل “زوال العدوان والاحتلال”، والمستندة إلى رصيدٍ رمزيٍّ متراكم. وأخيرًا، سرديّة بكركي التّاريخيّة، المعيدة تعريف “السّلام” كحقٍّ للبنانيّين لا كـ”هدنةٍ مفروضة”.
في هذه القراءة، رفعت مقابلة الراعي سقف الحوار لتثبيت قواعد اشتباكٍ كلاميّ، قبل عودة الجميع إلى مفاوضةٍ بطيئةٍ على جدولة السّلاح وربطها بوقف النّار، وترتيبات الجنوب، وقرار “اليونيفيل”… أي إلى السياسة بشروطها التّراكميّة لا الانكساريّة. من مؤشّرات هذه الفرضيّة: استمرار قنوات التّخاطب بين بكركي والحزب، وإصرار رعاةٍ دوليّين على ربط أيّ مسارٍ داخليٍّ بحزمة ضماناتٍ متبادلة.
وفي هذا السّياق، وبما يخدم اختبار هذه القراءة، يرد كلام النائب آلان عون إلى “المدن” أنّه و”في نهاية المطاف نحن في بلد سياسيّ. صحيح أنّ البطريرك رئيس طائفة، لكن المشهد السياسيّ منقسم أصلًا. المسألة لا ترتبط بالبطريرك وحده؛ فالنظرة إلى موضوع السلاح، وإلى المرحلة المقبلة عمومًا، تثير انقسامًا سياسيًّا واسعًا في البلد. هناك الطرف الشيعي، وتحديدًا حزب الله، وإلى حدّ ما حركة أمل، مختلفٌ مع كثيرين داخل البلاد حول هذه النظرة. بناءً عليه، ليست القضيّة طائفيّة”. وبيّن أنّ “المعترضين على السلاح كثر وينتمون إلى أطياف مختلفة، وكذلك المتمسّكون به يمثّلون مكوّنًا أساسيًّا. علمًا أنّ الرئيس برّي له موقف مؤيّد لحصر السلاح، لكن اعتراضه على الطريقة لا على الهدف ولا على المسار أو خارطة الطريق المؤدّية إليه. لنقل إذن إنّها ليست مسألة ضمن إطار طائفيّ؛ فالبطريرك وإن كان رئيس طائفة، فإنّ موقفه يعبّر عن شريحة واسعة في البلاد، ولا يقتصر على الموارنة أو المسيحيّين.”
توسيع الشرخ المارونيّ–الشّيعيّ
في المقابل، تومئ مؤشّراتٌ عكسيّةٌ إلى إمكانيّة توسّع الشّقّ. فـ”تدوير الرّدّ الدّينيّ” إلى لغة “سلاحٍ منسوبٍ إلى الله” يصعّد السّجال إلى مستوى الهويّات، فيما تسوّق على الضّفّة المسيحيّة سرديّة “الأغلبيّة السّياديّة” وتلوح خياراتٌ قانونيّة–قضائيّة ضدّ قياداتٍ حزبيّة (ومنها تحرّكات نوّابٍ لمقاضاة قاسم). هنا يتهدّد النّقاش خطر الانزلاق من “ترتيب السّلاح” إلى “نزاع سرديّاتٍ على معنى لبنان”، بما يعيد تدوير ذاكرة الحرب في الوجدانين المارونيّ والشّيعيّ معًا.
من جهته، يُشير النائب أنطوان حبشي في حديث إلى “المدن”، إلى أنّ ” ما قاله البطريرك أمس ليس موقفًا جديدًا، بل هو تعميق لموضوع القرار وضرورة أن نتجه جميعًا نحو بناء الدولة. وقد طرح البطريرك أمرًا قديمًا يمكن اليوم أن يكون مكمّلًا لقرارات الحكومة مع تطبيقها، وهو أن نعلن “الحياة الإيجابية”. أما حملة التخوين كلما وجد رأيٌ مخالف لرأيهم فغير مقبولة. للبطريرك موقف يمكنهم انتقاده كما يشاؤون، لكن يمكننا الابتعاد عن التجريح الشخصي وعن الاتهام بالعمالة. ومن العيب اليوم توجيه مثل هذه الاتهامات؛ وهم تحديدًا لا يحقّ لهم اتهام الآخرين بالعمالة، لأن الخرق الذي أصاب صفوفهم خلال الأيام العشرة الماضية لم ينتج إلا عن عمالة موجودة بينهم. لذلك لنضع جانبًا منطق التخوين والتهجّم الشخصي”.
واعتبر حبشي أنّ المواجهة حاليًّا هي ليست مارونيّة – شيعيّة؛ ورأى أنّ “هناك مشروعان: مشروعٌ للدولة، وآخرون بمشاريعهم خارج الدولة أوصلونا إلى ما وصلنا إليه. ستجد شيعيًا مع مشروع الدولة، ومارونيًا مع مشروع الدولة، وكذلك سنّيًا ودرزيًا مع مشروع الدولة. وستجد أيضًا، في المقابل، من يؤيد مشروع إبقاء الأرض سائبة والدولة سائبة وعلى هامشها، ومن مختلف الطوائف في هذا المشروع. لذلك أرى أن الموضوع ذو بعد وطني”. وأردف: “وإذا كانوا يشعرون بأزمة كفريق سياسي، فهم يحاولون ما استطاعوا الحشد بالمعنى الطائفي لجمع الطائفة الشيعية حولهم، لكن ذلك لا يؤدي إلا إلى مزيد من تأزيم الأمور، لا العكس. هذا الملف كذلك وطني، ولا علاقة له بماروني أو شيعي أو سنّي أو درزي. ومن الجيد جدًّا، حتى مع الاختلاف في الرأي، أن يبقى التعاطي مع المسألة راقيًا وألّا نذهب في الاتجاه الآخر”.
وواقع الأمر أنّ مقابلة 19 آب جاءت حلقةً ضمن سلسلةٍ مترابطة: قرارٌ حكوميٌّ بحصر السّلاح، ردٌّ تهديديّ من قيادة الحزب، مقابلةٌ مضادّة من بكركي، تصعيدٌ دينيّ من منصّة المفتي قبلان، ثم التفافٌ سياسيٌّ مسيحيّ خلف بكركي. نحن إذًا أمام “تشابك أطر” لا “انفجار حدث”. وبين خطاب “سلاح الله” ودعوة بكركي إلى “السّلام المواطناتيّ”، يبحر لبنان في مياهٍ مضطربة..
بتول يزبك- المدن



