جلسة مصارعة حرة وبلطجة علنية: نائب الحلبة… لا الأمة

“الفوضى تحت القبة”

في مشهد يليق ببرامج المصارعة الحرة لا بجلسة نيابية، شهد مجلس النواب اللبناني أول من أمس فصلاً جديداً من مسلسل “الفوضى تحت القبة”، بطلُه الدائم: النائب سليم عون، الذي قرر أن يُترجم اعتراضه السياسي على طريقة الضرب والركل، كاد خلالها أن يهجم جسدياً على النائب أحمد الخير، لولا تدخّل زملاء لفرملته… حرفياً!

الرجل الذي يُفترض أنه مشرّع، تحوّل مجدداً إلى صورة نمطية عن “الزعران السياسيين”، يوزّع الصراخ والتحدي والسباب، ويبدو أنه يظنّ قاعة البرلمان ملعب كرة قدم، وأن عليه الدفاع عن “كابتن التيار” بكل الوسائل، حتى لو تطلّب الأمر عضلات وشتائم ومشاهد سوقية أمام أعين اللبنانيين، الذين بالكاد تحمّلوا روائح الفساد والانهيار، ليجدوا أنفسهم اليوم تحت رحمة مجلس لا يُنتج إلا العنف المجاني.

“نحنا مش مكسر عصا عندك”، صرخ عون وهو يقاطع زميله الخير، ثم ما لبث أن تحوّل من جملة اعتراضية إلى مشروع اعتداء بدني مباشر، لولا أن تصدّى له النواب وأوقفوه قبل الوصول إلى “الخير”. نعم، أوقفوه كما يُوقف أحدهم مشاغباً في باص مدرسي، لا نائباً مُنتخباً يُفترض أن يحترم المؤسسة الدستورية التي ينتمي إليها.

رئيس المجلس نبيه بري، الذي لطالما برع في إدارة الفوضى ببرودة أعصاب، تجنب طرده من القاعة، واكتفى بـ”تحذيره”، ربما لنزع فتيل الفوضى، اذ من المؤكد أن تيار عون كان استغل الأمر ليكبر الخلاف ويركب موجة الشعبوية.

للأسف، بلطجة علنية، مشادة جسدية، تجاوز لحرية الكلام تحت القبة، لا يمكن معاقبتها في بلد كلبنان! وقد تصل الأمور مستقبلاً إلى تطاير الكراسي أو تكسير عظام ولعل البلطجي حينها لا يمكن له الاختباء وراء حصانته.

أستاذ الدستور في الجامعة اللبنانية د. حسين عبيد أكد في حديث لـ”لبنان الكبير” أن “الرئيس بري يملك صلاحية طرد أي نائب يُخلّ بالنظام العام داخل القاعة، وإذا وقع اعتداء جسدي موثق بالكاميرات والشهود، فذلك يُعد جرماً مشهوداً، لا يحتاج بموجبه رفع الحصانة ويمكن أن توقف القوى الأمنية الفاعل مباشرة”.

أما الخبير الدستوري سعيد مالك، فأشار في حديث لموقع “لبنان الكبير”، إلى أن النظام الداخلي لمجلس النواب الصادر بتاريخ 18 تشرين الأول 1924، يلحظ في المادتين 99 و100 العقوبات التي يمكن اتخاذها بحق أي نائب في حال ارتكابه مخالفة أو تجاوزاً، موضحاً أن المادة 99 تنص على سلسلة عقوبات تتدرج وفقاً لخطورة الفعل، بدءاً من: التنبيه، التنبيه مع تسجيله في المحضر، اللوم مع تسجيله في المحضر، الإخراج من القاعة.

وبيّن أن العقوبتين الأولى والثانية (التنبيه والتنبيه مع التسجيل في المحضر) هما من صلاحيات رئيس المجلس حصراً، بينما العقوبتان الثالثة والرابعة (اللوم والإخراج) تتطلبان قراراً مشتركاً من رئيس المجلس وهيئة مكتب المجلس.

أما في ما يتعلق بالمادة 100، فقال مالك: “النائب يُعتقل فوراً ويُسلَّم إلى السلطات القضائية إذا ارتكب جناية، أما إذا كان الفعل المرتكب جنحة، فيتعيّن على رئيس المجلس إبلاغ السلطات المختصة بها”.

وأضاف: “ما شهدناه بالأمس لا يرقى إلى مستوى الجناية أو الجنحة، وبالتالي لا تنطبق عليه المادة 100، بل يندرج ضمن نطاق المادة 99 باعتبار أن الفعل لا يتضمن أي طابع جنائي أو جزائي”.

هذه ليست زلة لسان ولا لحظة غضب عابرة، بل حلقة مكرّرة من مسلسل سليم عون في قاعة المجلس: صراخ، وقاحة، ونزق مفضوح، وهو نفسه الذي تهجم سابقاً على النائب بولا يعقوبيان بألفاظ نابية تخجل منها الحانات، ولم يسمع منه اللبنانيون حتى اليوم كلمة اعتذار واحدة.

وما يزيد الطين بلة أن تياره – “التيار الوطني الحر” – لم يكلّف نفسه حتى إصدار موقف توضيحي أو اعتذار. بل على العكس، يبدو أن سليم عون هو “الحارس الشخصي” غير المعلن لرئيس التيار جبران باسيل، يُطلق الشتائم حين يعجز “المعلّم” عن الرد، ويتصرّف كما لو أن المجلس ساحة معركة بين “أولاد الحي”.

وهنا السؤال الجوهري: هل سليم عون نائب يمثل الشعب، أم “بادي غارد” في فيلم هوليوودي رخيص؟ هل هو مشرّع أم بطل أكشن يعاني من نوبة بطالة نفسية؟ وهل يعتقد فعلاً أنه “جيرارد باتلر” في فيلم “Olympus Has Fallen”، وأن عليه إسقاط البرلمان دفاعاً عن باسيل؟

وإذا كان بعض النواب بات يشكّل تهديداً على زملائه، فهل يجدر برئاسة المجلس التفكير بوضع قوى أمنية داخل القاعة، لا لحماية المجلس من الخارج، بل لحماية أعضائه من بعضهم البعض، في جمهورية بات فيها النائب خصماً وحكماً وجلاداً في آنٍ معاً؟

ختاماً، المشكلة لم تعد في سليم عون وحده. المشكلة في منظومة تُكافئ الوقاحة، وتُصفّق للصراخ، وتُكرّس القطيع، وتُهلّل للعضلات بدل العقول. والسؤال الأهم: هل ما زال المواطن اللبناني يملك ترف القول “نائب الأمة”… أم بات لزاماً عليه أن يقول “نائب الحلبة”؟

محمد شمس الدين- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة