“العجز العربي” في السويداء.. هل تنجو سوريا من “الخبث الدولي”؟!

كتب علي الشاهين:

ما يجري على الأراضي السورية له أسبابه ومُسببيه، لا شك بذلك، ودون الغوص في الوقائع والمواقف، هناك ثلاث نقاط أساسية ساطعة تؤشّر إلى أنّ العالم العربي سيبقى لفترة طويلة تحت سوط عذاب شديد ومديد من اللاستقرار، وهي التالية:
أولاً: رغم مرور أكثر من عشرات العقود على خروج الاستعمار من أرض العرب، ورغم تجارب مشاريع التنمية وصرف الإمكانيات المالية الهائلة واستخدام التكنولوجيا لا يزال العقل العربي (شعوباً، حكومات، مؤسّسات، نُخباً وأفراداً) عاجزاً عن امتلاك أو صناعة ذهنية استيعابية متنوّرة تتأقلم وتتكيف وتتعايش بثقة وإيجابية مع ما يحتوي المجتمع العربي من أفكار وثقافات وتنوّع مجتمعي.

يرافق هذا الأمر قصور المعنيين عند معظم المسلمين في مواجهة الحملات التضليلية تجاه حقيقة الإسلام، وذلك من قِبل عدّة جهات (مراكز أبحاث ووسائل إعلام)، وهذا تحديداً نلحظ أنّ المعنيين من المسلمين عجزوا عن تفعيل وتطبيق جوهر وحقيقة الثقافة الإسلامية، وذلك في شتى المسائل والقضايا ومختلف نواحي الحياة والمحطات، حيث عند وقوع أي مشكل أو أزمة أو فتنة مفاجئة، تظهر الكراهية والتجاوزات والممارسات غير الطبيعية وغير الإنسانية وتُنتهك الكرامات والمقامات والرموز، وتظهر الأخطاء والخطايا والأحقاد وعدم تقبّل الآخر.

هذا المشهد للأسف مستمر منذ عقود مضت في عالمنا العربي، وقد لا يكون آخرها أحداث السويداء. عجيب أمر الطائفية البغيضة، فهذه المسألة بالذات تُشكّل ثغرة وفرصة لقوى الشر ومحاور ومطابخ المشاريع الدولية حيث تستغلها لتسعير نار الفتن على أرض العرب، كما لو أنّه ممنوع الاستقرار في هذا الجزء الحيوي من العالم، فكيف ونحن في ذروة التقدّم التقني الإعلامي مما يزيد الطيبة بلة من تداعيات ومخاطر الفتن.

ثانياً: توغّل، اختراق، تأثير، فعالية وهيمنة إسرائيل ودول خارجية عديدة أخرى (الغرب) في رسم السياسات والأولويات عند السلطات الحاكمة في العالم العربي، وذلك لتتلاءم هذه السياسات مع مُخطّطات ومصالح الغرب ومطامع إسرائيل (وما غزة وسوريا الآن إلا دليل على ذلك، وهذا الأمر تحديداً قد أفشل قيام دولة عصرية في العالم العربي، تصون الكرامة، الحريات،
الحقوق والخصوصيات، وتبني حياة كريمة وآمنة في عالمنا العربي.

ثالثاً: هناك فشل ذريع في بناء “المواطَنَة السليمة”، التي تُصنع من رحم الدساتير والقوانين والقيم الإنسانية، حيث للأسف تسيطر الغرائزية والعصبية وقلّة الوعي والرشد السياسيين، فيُفرز سلوك وممارسات فردية في مجتمعنا العربي وليس العقلانية والحكمة والمنطق والعلم والمصلحة العليا للوطن.

من هنا، وبعد مرور أكثر من 7 أشهر على الإطاحة بنظام الأسد، لا شك في أنّ أحمد الشرع ما زال يواجه تحديات وصعوبات جمّة، وهو الذي يقع بين أنياب ذئاب مطامع ومخططات القريب والبعيد معاً، فالسؤال هنا: هل يتملك الشرع الوقت والقدرة للتغلب على هذه التحديات العديدة؟

الجواب يقع في رحم ما يقوم به الشرع من خطوات، وذلك مهما كان براغماتياً في تعامله مع المسائل والملفات فإنّ الإشارة إلى نقطتين مهمتين ضروري جداً، وهما (1) “استلم سوريا على الأرض من حيث الإمكانيات والقدرات”.. (2) يُنشر في الإعلام أنّ الشرع يتمتّع بالاحتضان الخليجي والغربي، وهذا الاحتضان يبدو غزيراً بهواجس ومناورات وتفاهمات مُعقّدة جداً، إنما يبقى الـ back Bone له هو أمن إسرائيل، وكميات النفط الهائلة على أرض سوريا والنفوذ النسبي.

لذلك، أمام هذه المشهدية يرى البعض – وبعد أحداث السويداء المؤلمة – أنّه على الدول العربية وخصوصاً السعودي، إضافة إلى تركيا، أنْ تقوما بخطوات وجهود تُسهِم في توقيف شلال الدم النازف في سوريا، من خلال دعم فعلي بتطبيق بيان وقف إطلاق النار الذي صدر فجر أمس، وهذا الأمر لا شك في أنّه سيقطع الدرب على الكل، وبالتالي عدم أخذ سوريا رهينة المجهول.

ختاماً، هنا في لبنان، حبّذا لو النخب والمسؤولين والأفراد من كل المكونات والانتماءات يتحلون بأقصى ما بمكن من الحكمة والوعي والمسؤولية، خصوصاً في مسألة التصريحات والمواقف، وعدم الانجرار والوقوف عند الكثير مما يُنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكفانا حروباً وفتناً، مع الإشارة إلى نقطة جوهرية قيّمة، وهي إدانة ورفض التجاوزات التي وقعت في السويداء من أي فرد أو جهة كان، ولا بد من التيقّظ إلى أنّ هناك شراسة ومكر كبيرين لدى دول الخبث الدولي تجاه مجتمعنا العربي، والخاسر شبه الوحيد هو الوطن والمواطن العربي، مع تأكيد أنّ التجربة الوطنية النضالية التاريخية الطويلة لمنطقة السويداء مشهود لها، وهي منطقة تعتبر من النسيج الأساسي في الوطن السوري، ولا بد من إبداع المعنيين في الإدارة السورية الجديدة بصياغة شبكة أمان خلاقة للحفاظ على سلامة ووحدة الوطن.

مقالات ذات صلة