جرس إنذار بالغ الأهمية: حتى نستفيد من درس السويداء قبل فوات الأوان!!

بعد أربعة عشر عاماً من النزاع المسلح الذي شنه النظام السوري وميليشياته الطائفية على الشعب السوري، وانتصار الثورة السورية وولادة حكومة جديدة، لا تزال سوريا تواجه تحديات جسيمة ومعقدة، تستوجب معالجة جادة وعميقة لقضايا جوهرية تمهيداً لبناء مستقبل مستقر وسلام مستدام. ولعلّ الدرس الأهم المستخلص من أدبيات ما بعد النزاع هو أن الدول الخارجة لتوّها من صراعات مسلحة تكون بيئات هشّة وعُرضة لانفجارات أمنية مفاجئة، وتدهور داخلي قد يصل حدّ التدويل.
ومن هذا المنطلق، بات من الضروري على جميع الأطراف في المشهد السوري — من حكومة، ومجتمع مدني، ونخب سياسية وحقوقية، ومواطنين — أن تدرك حجم التحديات التي تعترض طريق التعافي، وأن توحّد جهودها من أجل تجاوزها، وصولاً إلى دولة تكفل حقوق جميع أبنائها وتصون كرامتهم دون تمييز.
لقد كشفت أحداث السويداء الأخيرة حجم الهشاشة التي تعانيها البلاد. فالتصعيد العسكري، ودخول قوات الأمن والجيش إلى المحافظة، وما تبعه من اشتباكات داخل المدينة مع مليشيات تابعة لحكمت الهجري، ثمّ الدعوات الصادرة عنه إلى تدخل الاحتلال الإسرائيلي، والذي تجسّد فعلياً في قصف عدة مدن سورية كدمشق وريفها، والسويداء، ودرعا، والقنيطرة، وما نتج عن ذلك من سقوط ضحايا وإصابات بين المدنيين والعسكريين؛ كل ذلك زاد من تعقيد المشهد، وأدى في نهاية المطاف إلى انسحاب القوات التابعة للحكومة السورية وبالتالي سيطرة مليشيات حكمت الهجري مجدداً على محافظة السويداء وما تبعه ذلك من ارتكاب مجازر طائفية بحق البدو والعشائر من أبناء محافظة السويداء، مما يُنذر بتفجر الوضع في ظل الهشاشة الأمنية التي تعاني منها سوريا على طول البلاد وعرضها.
ومن أجل تفادي هذا النوع من العنف والانتقام الطائفي، ومن أجل المضي نحو سلام حقيقي ومستقر، يجب أن تكون حادثة السويداء جرس إنذار ودرساً بالغ الأهمية لجميع السوريين، وعلى رأسهم الحكومة الحالية.
ولذلك، فإن الأولوية في المرحلة المقبلة يجب أن تتركّز على أربع مسارات متكاملة.
أولاً: تفعيل المشاركة السياسية
في قلب أي عملية تحول سياسي ناجحة، تكمن ضرورة فتح الحيز السياسي وعدم مصادرته. لا يمكن أن تبنى دولة دون إشراك جميع مكوناتها من الأعلى إلى الأسفل ومن القاعدة إلى القمة. فالمشاركة السياسية لا تعني فقط إصدار البيانات السياسية وتشكيل اللجان والمجالس والتركيز على القضايا الشكلية. بل تتطلب تمكيناً حقيقياً للمواطنين والمجتمع المدني في صياغة السياسات، وبل وأخذ هذه التفاصيل على محمل الجد. إن إغلاق الحيز السياسي وعدم السماح بإنشاء الأحزاب السياسية وعدم إشراك الأطراف الفاعلة والتي لديها رغبة حقيقة في بناء الدولة ومؤسساتها، سوف يؤدي ذلك إلى حالة من الانغلاق في المشهد السياسي، وبالتالي تراكم الأسباب رويداً رويداً التي سوف تؤدي إلى تفجر المشهد عندما تسنح لها الظروف بذلك. إن السماح بعمل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وعدم التدخل في حياة الناس أو التضييق على حرياتهم، هو الأساس لأي تعافٍ مجتمعي أو سياسي، بل سيمهد الطريق نحو عملية الاستقرار والتعافي التي يأملها الجميع.
ثانياً: ضبط الحالة الفصائلية
بعد قرار حل الفصائل وإعلان ضمها واندماجها داخل مؤسسة الجيش، لم تنصهر هذه الفصائل بشكل كامل، مما جعل حالة الانضباط لدى البعض منها وتضارب ولاءاتها أمراً يُنذرُ بنتائج سلبية على الحكومة. وقد سُجّلت عدد من حالات القتل والانتهاكات الممنهجة بحق المدنيين خلال الفترة الماضية كمجازر الساحل، والأكثر من ذلك هو تصوير الأمر والتفاخر به، الأمر الذي يخالف القانون الدولي لحقوق الإنسان على اعتبار إنه يُطبق في أوقات السلم والحرب. ولذلك لا بدّ من احترام كرامة المواطنين وعدم التعدي عليهم. والتعامل بشكل لائق يحفظ هيبة الدولة التي يطمح لها جميع السوريين، ولا ينبغي التهاون بذلك، لأن لذلك تبعات كارثية. عندما يشعر البعض أن عناصر الدولة تتقصد إهانة مواطنيها وامتهان كرامتهم، مع عدم تفعيل مفهوم المحاسبة ووضع قواعد صارمة تجّرم هذه التصرفات ومن يرتكبها فأن ذلك سوف يؤدي إلى مزيد من الاحتقان وبالتالي انفجار المشهد في لحظة ما. ولذلك لا بد من وجود إرادة حقيقية جادة لضبط هذه التصرفات وضمان عدم تكرارها حتى تقف الدولة على مسافة واحدة أمام جميع مواطنيها. مع ضرورة الاستفادة من الضباط المنشقين سابقاً عن نظام الأسد الذين لديهم خبرة كبيرة في العمل العسكري المؤسساتي.
ثالثاً: العدالة الانتقالية
إن العدالة الانتقالية ليست ترفاً أو خياراً أخلاقياً فقط، بل ضرورة سياسية واجتماعية لتفكيك إرث العنف والطائفية. بعد أكثر من عقد من المجازر التي طالت السوريين، ولا سيما العرب السنة منهم، بطرقٍ مختلفة عبر البراميل المتفجرة إلى السلاح الكيماوي، ومن الحصار إلى الإخفاء القسري في صيدنايا وغيرها من السجون سيئة الصيت— فإن تجاهل هذه الجرائم سيؤدي إلى إنتاج دورة جديدة من الانتقام والدم. وفقاً لتقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في العام 2023، فإن “غياب العدالة يزيد من هشاشة مرحلة ما بعد النزاع، ويهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي”. إن تطبيق العدالة الانتقالية حاجة مُلحة لإعادة بناء تماسك مجتمعي حقيقي في المجتمعات الخارجة من النزاع. وعليه فأن العدالة الانتقالية لا تعني الانتقام، ولا تعني التسامح غير المشروط، بل تعني الاعتراف بالضحايا وجبر ضررهم، ومحاسبة الجناة وفق القانون، وتقديم ضمانات بعدم التكرار. أما سياسة “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، فستزرع بذور الحرب القادمة، خاصة في ظل الجراح المفتوحة والانتهاكات الموثقة.
رابعاً: الحوار الوطني الجاد
في أي عملية انتقال سياسي ناجح، يعد الحوار الوطني الشامل والجاد قاعدة أساسية لا يمكن تجاوزها أو استبدالها بالمقاربات الأمنية أو الحلول الآنية والشكلية. وفي السياق السوري، تبرز أهمية هذا الحوار أكثر من أي وقت مضى، بالنظر إلى الاستقطاب والانقسام العميق الذي يعانيه المجتمع، والانهيار الكامل في منظومة الدولة، ووجود سلطة ناشئة تحاول ترتيب المشهد الداخلي وفق مسارٍ واحد من الأعلى إلى الأسفل.
الحوار الوطني الحقيقي هو ذلك الذي يُبنى على أسس الشراكة الفعلية بين جميع المكونات السياسية والمجتمعية، دون إقصاء أو تهميش. فلا يمكن الحديث عن عقد اجتماعي جديد في سوريا دون أن يشارك فيه الجميع على قدم المساواة، بما في ذلك الأصوات التي تُظهر موقفاً معارضاً للحكومة، والمجتمع المدني، وجميع المكونات ولا سيما المتأثرة بشكل كبير من الحرب، كالنازحين واللاجئين وذوي الضحايا من المجازر الطائفية على زمن النظام البائد.
الحوار الحقيقي لا يمنع فقط تكرار الحرب، بل يفتح الباب أمام بناء دولة تعاقدية حديثة، حيث تُستبدل الولاءات الطائفية والعرقية بولاء مدني ووطني جامع. إنه الطريق الوحيد لتجديد العقد الاجتماعي السوري، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة، وطيّ صفحة الاستبداد والإقصاء والتهميش.
وقد شدد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقريره الصادر عام 2020 “دعم القدرات المحلية لمنع النزاعات“ على أن الحوار الوطني الجاد “يشكل حجر الأساس لأي سلام مستدام، خاصة في المجتمعات المنقسمة عرقياً وطائفياً، حيث تسهم المشاركة الجامعة في تبديد المخاوف وتعزيز الأمن المجتمعي.
وفي الختام فأن الحالة السورية معقدة، والمرحلة الحالية حرجة جداً. فالبلاد خرجت من رحم نظام استبدادي دموي، وشهدت حرب إبادة على أساس طائفي استمرت لأكثر من عقد من الزمن، ولم تصل لمرحلة الاستقرار بعد. وفق أدبيات النزاع، فإن مرحلة ما بعد الحرب تكون غير مستقرة وهشة، والمجتمع فيها مهدد بانزلاقات يُصبح فيها خط العودة أمراً بالغ الصعوبة. والتاريخ مليء بالعبر، ولنا في بعض الدول المحيطة أمثلة حية وكما قالت العرب سابقاً: “السعيدُ من اتعظ بغيره”، فهل نستطيع الاستفادة من دروس الآخرين قبل فوات الأوان؟
محمود الحسين- المدن



