ماذا فعل سلاح “حزب ايران” في لبنان؟

بين الكلام الفجّ والمباشر لمورغان أورتاغوس والكلام الديبلوماسي لتوم باراك لم تختلف مطالب الولايات المتحدة. ولعل الأسلوب الاستفزازي لنائبة المبعوث الخاص سابقاً أتاح للأطراف اللبنانية اعفاء نفسها من أي استجابة لإملاءاتها متذرّعة بأنها تبحث عن الإثارة أكثر مما تسعى الى الإنجاز. وعندما تغيّر المنهج واللهجة ووُضعت الأطراف أمام ورقة ينبغي التعامل مع مضمونها حاول الجانب اللبناني أن يبدي جدّيةً من خلال “لجنة ثلاثية” لإعداد الردّ على “ورقة باراك”، لكنه أخفق في المهمة الرئيسية، فالأهم من الردّ وصيغته كان إعطاء انطباع واضح وقوي بأن الأطراف اللبنانية متفقة/ مجمعة على الهدف: نزع سلاح “حزب إيران/ حزب الله”.

عندما سئل باراك عن تقويمه لما اطلع عليه قال إنه “راضٍ جداً” على نصٍّ فيه النيات الطيبة وأكثر، لكنه تحدث عن الحاجة الى حوار “في شأن التفاصيل” وهذه إشارة الى أن لبنان لم يتقدم بعد أي خطوة نحو ما هو مطلوبٌ منه، ليس فقط بموجب اتفاق وقف اطلاق النار وما سبقه من اتفاقات، بل خصوصاً بموجب مصالحه الوطنية وضرورة الإسراع الى تحقيقها طالما أن هناك الآن اهتماماً دولياً وعربياً. وعندما تطرّق الى “الحزب” كان واضحاً أنه يتقبله كـ”حزب سياسي فاعل” أما أن يكون لديه سلاح خارج إطار الدولة فهذه مسألة تقع أولاً وأخيراً تحت طائلة المسؤولية اللبنانية، ومع يقينه بأن الدولة مدركة ما يجب أن تفعله لإنهاء الازدواجية الأمنية والعسكرية إلا أن غياب القرار لدى الدولة مدعاة للتساؤل وحتى للإحباط.

لذلك طرح باراك استنتاجاته الصريحة القاسية: “نحن إلى جانبكم إن قررتم التغيير، لكن إن بقيتم مكانكم، فالعالم لن ينتظركم، وإذا لم ترغبوا في التغيير والتطوّر وتبادروا فلا مشكلة، المنطقة بأسرها تسير بسرعة فائقة وأنتم ستكونون متخلّفين للأسف”. ولا تعني عبارة “العالم لن ينتظركم” سوى أن “أميركا لن تنتظركم”، وإذا خفّت الرعاية الأميركية أو تراجعت وبردت فإن كل رعاية أخرى معوّل عليها، ولا سيما الخليجية أو حتى الفرنسية، ستبقى محدودة. وكما أصبح معلوماً فإن ذلك سينعكس إرجاءً لخطط إعادة الاعمار، وإبطاءً لبرامج التعافي الاقتصادي والمالي. لكن الاستنتاج الأسوأ الذي غادر به باراك كان باختصار أن هناك رئاسة وحكومة وجيشاً وليس هناك دولة في لبنان، ليس بعد… وعلى هذا يبني تقاريره الى واشنطن.

لا يعني ذلك أن المنطق الذي تفاوض به الدولة كلّه سلبي، إذ ان استمرار إسرائيل في الاحتلال والاعتداءات اليومية لا يساعدها في التقدم نحو “حصر السلاح” في يدها. كما أن هذين الاحتلال والاعتداءات يتمتعان بترخيص أميركي، وفقاً لقاعدة أن المنتصر يملي شروطه، وبالتالي فإن الضغط الأميركي (- الإسرائيلي) لنزع سلاح “الحزب” لا يعترف بالاعتبارات المحلية للدولة بل يريد فرض معادلة “نزع السلاح أولاً قبل البحث في إزالة الاحتلال” أو أي شيء آخر. وفي المقابل اعتمد “الحزب” معادلة معاكسة، أي “انهاء الاحتلال وإعادة الاسرى والبدء بإعادة الاعمار أولاً قبل البحث في مصير السلاح”، وبالتالي زرع إشكالية داخلية- خارجية تكرّس الاستعصاء. ذاك أن “الحزب” يعلم أن سلاحه بات ذريعة لدوام الاحتلال وليست لديه أي مبادرة “تفاوضية” لإنهائه، ويعلم أن أسراه لن يعودوا بلا مقابل، كما يعلم أنه طالما بقي سلاحه في يده فلا مجال لإعادة الاعمار. وهكذا فإن الحلقة مقفلة ومفرغة.

ما طرحته الرئاسة اللبنانية عن “حوار” لحلحلة مسألة تسليم السلاح لقي انتقادات داخلية مشروعة، ولعله استقبل خارجياً بمآخذ مكتومة، لكنه قد يشكّل “مخرجاً” افتراضياً، ولو غير مقنع. ومع مضي الوقت من دون أن تظهر أي مفاعيل لـ “حوار” لا يُعرف إذا كان بدأ فعلاً أو إذا كان مستمراً أو إذا توصّل الى خريطة طريق جدّية تصلح للعرض على الأطراف الخارجية المعنية لتمكينها من مساعدة لبنان. في الأثناء يتظاهر “الحزب” بأنه “متفاهم مع الدولة”، وبأنها تتفهّم اعتباراته ومخاوفه وحججه للحفاظ على سلاحه، فهذا السلاح بالنسبة اليه “ضمانة” و”حماية” أمنيتان لا تستطيع الدولة وجيشها تأمينهما في حال واصلت إسرائيل مهاجمته حتى بعد تسليمه سلاحه، غير أن هاتين الضمانة والحماية بدتا وهميتين بوجود السلاح وجراء انكشاف “الحزب” فرداً فرداً أمام العدو.

لم تتوقف تحذيرات توم باراك بعد مغادرته، إذ استعاد كل مصطلحات جان ايف لو دريان التي تنذر بزوال الكيان اللبناني، وذهب أبعد بأن هذا الكيان قد يذوب في “بلاد الشام” مع بروز تسريبات مدروسة تشي بإمكان فتح “اتفاق سايكس- بيكو” لإعادة النظر في ترتيباته الجغرافية، بل تنسب الى حكام سوريا الجدد مطالبتهم بـ”ضم طرابلس” واستعادة ما سُلخ عن سوريا لدى إنشاء “لبنان الكبير” كتعويض لها عن الجولان وجبل الشيخ في حال خسرتهما نهائياً بموجب أي “اتفاق أمني” توقّعه مع إسرائيل. لا شك أن هناك جانباً تهويلياً في المقاربة الأميركية للبنان وسلاح “حزب إيران”، لكن هناك تغييرات إقليمية لا تخلو من مخاطر على لبنان ما لم تحسم السلطة خياراتها.

بعد خمسة شهور على انتخاب رئيس، وأربعة شهور على وجود حكومة، ورغم من اعترافهما بأن لملف السلاح أولوية مفروضة عليهما والتزامهما التصدّي لها، لا يمكن الحديث عن احرازهما أي تقدم وليس واضحاً ما الذي ينتظرانه أو يتوقعانه طالما أن الأطراف الخارجية كافة أبدت لهما كل الوعود الطيبة لكن المشروطة. في المقابل استطاع “الحزب” أن يثبت أنه لا يزال ممسكاً بجانب كبير من القرار ومستعداً للعب على تركيبة الحكم، كما أنه استعاد شحن “بيئته” للدفاع عن سلاحه وزرع تهديده بحرب داخلية إذا تعرّض لضغوط كي يتخلّى عن هذا السلاح. وبطبيعة الحال فإن نهج “الحوار” لا يصلح مع “حزب” كهذا سبق أن برهن أنه لا يبالي بالبلد وأهله، والأكيد أنه لا يبالي بالدستور والقوانين ولا بالعيش المشترك و”الميثاقية” التي كان يستخدمها فقط لتعطيل الدولة وتمرير ألاعيب سياسية لم تعد متاحة. وبالتالي فإنه يستغلّ أي “حوار” بينه وبين الدولة أولاً لتأكيد أنه لن يقدم اليها التنازل العسكري الذي تتوقّعه، وثانياً للإشارة الى أنه يريد ثمناً سياسياً داخلياً مقابل سلاحه إذا قرر تسليمه، وثالثاً لإطلاق رسائل الى إيران بأنه سينتظر تفاهماتها مع أميركا، وإلى الولايات المتحدة بأنه لا يزال الطرف القادر على ابرام اتفاقات معها ومع إسرائيل.

عبد الوهاب بدرحان- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة