جدل دستوري حول الرد على ورقة باراك: من يحكم لبنان اليوم؟

أعاد الرد اللبناني على الورقة الأميركية التي حملها الموفد الرئاسي توماس باراك فتح النقاش حول الصلاحيات الدستورية لتحديد الموقف الرسمي للدولة. انفجرت معركة دستورية داخلية، عنوانها: من يملك حق الرد باسم لبنان؟ وهل يحق للرؤساء الثلاثة اتخاذ قرار نيابي أو حكومي من دون الرجوع إلى مجلس الوزراء؟
جعجع: الرد غير دستوري.. والحكومة صاحبة القرار
رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع كان أول من فجّر هذا الجدل، بإعلانه أن الطريقة التي جرى فيها إعداد الرد الرسمي لا تستند إلى أي قاعدة دستورية أو قانونية. وقال في بيان رسمي إن المادة 65 من الدستور واضحة: السلطة الاجرائية مناطة بمجلس الوزراء مجتمعاً، وهو وحده من يضع السياسة العامة للدولة في كل المجالات.
وبناءً على ذلك، طالب جعجع رئيس الحكومة نواف سلام بالدعوة الفورية إلى عقد جلسة لمجلس الوزراء، توزع فيها ورقة باراك على جميع الوزراء لمناقشتها واتخاذ موقف موحد، يكون هو الرد الرسمي باسم لبنان، محذراً من أن أي تجاوز لهذه الآلية يُفرغ مؤسسات الدولة من مضمونها، ويعيد لبنان إلى زمن “الصفقات الجانبية” التي تقرر مصير البلاد بعيداً عن المؤسسات الدستورية.
وفي سياق انتقاده، حمّل جعجع “حزب الله” مسؤولية ما وصفه بالخراب المستمر منذ ثلاثين عاماً، وتحديداً في السنتين الأخيرتين، معتبراً أن الحزب يستمر في فرض رؤيته وخياراته على الدولة، ضارباً عرض الحائط بمصالح اللبنانيين.
رأي دستوري داعم لجعجع: سياسات عامة لا قرارات فردية
الخبير الدستوري سعيد مالك أيّد موقف جعجع، مؤكداً في حديث لموقع “لبنان الكبير” أن موضوع الورقة الأميركية يندرج بوضوح تحت بند “السياسات العامة”، وهو من اختصاص مجلس الوزراء حصراً. وأوضح أن القاعدة الدستورية في لبنان تميّز بين المفاوضات بشأن المعاهدات الدولية، التي يقوم بها رئيس الجمهورية وتحتاج إلى مصادقة مجلس الوزراء لاحقاً، وبين رسم السياسات العامة للدولة، وهي من اختصاص الحكومة مجتمعة، بما في ذلك وضع الأطر التفاوضية مع أي طرف خارجي.
وجهة نظر معاكسة: ليس تفاوضاً بل ردّ على وساطة
في المقابل، كان لأستاذ القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية الدكتور حسين عبيد رأي مغاير، إذ اعتبر أن ما قاله جعجع “غير صحيح دستورياً”. وشرح أن الرؤساء الثلاثة تلقوا رسالة من وسيط، وهي ليست مفاوضات بين دولتين أو توقيع معاهدة دولية. وبالتالي، الرد على هذه الورقة يدخل ضمن مهام السلطة التنفيذية العليا التي تمثلها الرئاسات الثلاث، والتي بإمكانها التعامل مع الرسائل الديبلوماسية واتخاذ الموقف المناسب.
وأكد عبيد أن الموضوع لا يتطلب مصادقة مجلس الوزراء، لأن الورقة الأميركية ليست اتفاقاً دولياً بل رؤية حل وسطية طرحها الأميركيون كوسطاء في نزاع حدودي بين لبنان وإسرائيل، تشارك فرنسا والأمم المتحدة في إطاره. وخلص إلى القول إن الرئيس الفعلي الذي تولى صياغة الرد هو رئيس الجمهورية جوزاف عون، بالتنسيق مع رئيسي الحكومة والمجلس النيابي.
إشكالية التوازن بين المؤسسات: أزمة نظام أم مرونة ظرفية؟
هذا الجدل يعكس في جوهره إشكالية أكبر تتعلق بهشاشة التوازن بين المؤسسات في لبنان. ففي غياب رئيس جمهورية منتخب لفترة طويلة في السابق، اعتادت القوى السياسية التعامل مع السلطة التنفيذية من خلال صيغ توافقية بين الرئاسات الثلاث، وليس عبر المؤسسات الدستورية الكاملة.
ومع أن النظام الدستوري اللبناني ينص على أن السياسة الخارجية من اختصاص مجلس الوزراء مجتمعاً، فإن العُرف السياسي أحياناً يتجاوز هذا المنطق، خصوصاً في حالات الأزمات الكبرى أو الملفات الحساسة كملف السلاح أو الترسيم الحدودي، بحيث تميل القوى السياسية إلى تمرير قراراتها عبر تفاهمات الحد الأدنى لتجنب تفجير الحكومة من الداخل.
بين الضرورة السياسية والالتزام الدستوري
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل لبنان في وضع يسمح له بتطبيق الدستور بحذافيره في خضم أزمات مصيرية كهذه، أم أن الظروف الضاغطة تفرض أحياناً مرونة ميدانية تسبق المراجعة القانونية؟
ما هو مؤكد حتى اللحظة أن السجال لن ينتهي هنا، لأن أي اتفاق أو رد رسمي على الورقة الأميركية، إذا لم يُحط بإجماع سياسي – أو على الأقل بغالبية سياسية واضحة – سيبقى موضع طعن وشك في شرعيته الوطنية والدستورية.
وبينما ينتظر اللبنانيون الرد الأميركي على موقف بيروت، تبقى الدولة اللبنانية في مرمى سؤال أكبر: من يحكم لبنان اليوم؟ المؤسسات الدستورية، أم التفاهمات السياسية فوقها؟
محمد شمس الدين- لبنان الكبير



