جنبلاط من المختارة يوجّه رسالة لـ«حزب الله» لتسليم سلاحه

تسود في المشهد اللبناني مقاربتان بعد المسار الذي سلكته تطورات المنطقة بعد وقف النار بين إسرائيل وإيران. المقاربة الاولى تبدي تفاؤلاً بأن ينسحب الانفراج في المنطقة على الوضع في لبنان على قاعدة انسحاب إسرائيل من النقاط المحتلة وإقدام لبنان على توسيع عمليات نزع السلاح وفق برمجة زمنية واضحة.
أما المقاربة الثانية فهي التخوف من تحويل إسرائيل وجهتها مجدداً نحو لبنان، وهذا ما يتطابق مع ما نُقل عن مصدر مقرّب من «حزب الله» لقناة تلفزيونية عن «أن أنظار إسرائيل ستعود إلى لبنان بعد وقف الحرب مع إيران»، وتوقعه «عودة الضغط العسكري والسياسي من إسرائيل على لبنان».
ونسبت القناة إلى المصدر عينه «أن ملف السلاح شمال الليطاني سيكون عنوان البحث الإسرائيلي، وأن جزءاً من مخازن سلاح الحزب معروف لدى إسرائيل ويمكن ضربها بأي لحظة، أما مخازن سلاح الحزب النوعي غير معروفة لإسرائيل وتتواجد شمال الليطاني»، مضيفاً «أن إسرائيل تمارس اليوم جهداً استخباراتياً كبيراً لمعرفة أماكن المخازن النوعية وتدميرها، فيما جهود إسرائيل الحالية منصبة على كشف المنصات والمسيرات التي ما زال يملكها الحزب».
نفي «حزب الله»
غير أن العلاقات الإعلامية في «حزب الله» حرصت على التوضيح، وأعادت التأكيد في بيان «أن حزب الله لا يعتمد في تظهير مواقفه السياسية على ما يسمى «مصدر في حزب الله» أو «مصدر مسؤول» وغيره»، وقالت «كل ما يُنشر ضمن تلك المسميات هو بالنسبة لنا عارٍ عن الصحة جملة وتفصيلًا، ولا يمكن البناء عليه، وبالتالي فإننا غير معنيين إطلاقاً بما يرد خارج إطار مواقفنا المعلنة والصريحة». وأكدت العلاقات الاعلامية «أن ما تورده بعض وسائل الإعلام تحت مسمى «مصادر مقربة من «حزب الله»» أو «مصادر مطلعة على موقف «حزب الله»»، لا تعكس بأي شكل من الأشكال رأي حزب الله ومواقفه، بل هي مجرد قراءات وتحليلات شخصية أو ربما مصادر مختلقة لأهداف سياسية مغرضة. وفي هذا السياق، تدعو العلاقات الإعلامية جميع وسائل الإعلام والإعلاميين والمحللين إلى توخي أعلى درجات الدقة والمهنية والموضوعية، والتعامل حصرًا مع المواقف والمعلومات التي تصدر عن الجهات الرسمية المعنية في حزب الله، والامتناع عن نسب أي معلومات إليه تحت عنوان »المصادر» واعتبارها غير صادرة عنه.
ونتمنى من وسائل الإعلام كافة في هذه الظروف الدقيقة والحساسة مراجعة الجهة المختصة في حزب الله للاطلاع على مواقفه ووجهات نظره من الأحداث والتطورات».
إلى ذلك، لوحظ أن «حزب الله» نظّم حشداً أمام السفارة الايرانية في بئر حسن احتفالاً بالنصر على إسرائيل، وعاد لتمرير رسائل حول التمسك بالسلاح. وترافق ذلك مع رفع لافتات عند مدخل مطار رفيق الحريري الدولي كتب عليها «اليد التي تمتد إلى سلاحنا سنقطعها»، وكُتب على لافتة أخرى «جاهزون… نحو القدس قادمون»، فيما حملت إحداها صورة للمرشد الاعلى علي خامنئي وأخرى صورة لأمين عام الحزب السابق حسن نصرالله.
عودة قريبة للمبعوث برّاك
وجاءت هذه الخطوات في ظل معلومات عن عودة الموفد الامريكي توم برّاك إلى بيروت في 7 تموز/يوليو المقبل لاستكمال البحث فيما طرح بينه وبين المسؤولين اللبنانيين في زيارته الأولى ومن ضمنه ملف نزع سلاح «حزب الله» وتمويله، وبعد زيارة رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع إلى قصر بعبدا حيث خرج بعد لقائه رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ليتحدث مجدداً عن وضع جدول زمني لتسليم السلاح.
وفيما إستغرب النائب بلال الحشيمي اقامة الاحتفال أمام السفارة الإيرانية، ورأى فيه «رسائل للدولة اللبنانية بأن «الحزب» لا يزال موجودًا وبالقوة نفسها»، زار وفد قيادي من حركة «أمل»، مقر سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية متضامناً ومهنئاً بالإنتصار، وكان في استقباله القائم بأعمال السفارة توفيق صمدي. وقد حيّا الوفد الذي ترأسه رئيس المكتب السياسي خليل حمدان «ثبات الجمهورية الإسلامية في مواجهة الأعداء من كل حدب وصوب».
وقال «نحن نستنكر وندين هذه الهجمة الكبيرة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال الاعتداء الكبير الذي قام به العدو الصهيوني، ولكن بالواقع المواقف الرائدة للجمهورية الإسلامية التي لم نستغربها إطلاقاً عنوانها الثبات والصمود في هذه المواجهة الكبيرة».
وأضاف: «لقد تعرضت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى هجمات متعددة منذ انتصارها وحتى اليوم، ولكنها في كل مرة كانت تنفض عنها الغبار وتعود من جديد لتدهش العدو والصديق على هذا الأداء الراقي.
كما أتينا لنقدم واجب التعزية بالشهداء، ولنحيي الجمهورية الإسلامية الإيرانية ورجالاتها على الانتصارات بدءاً من القائد الإمام السيد علي الخامنئي الذي استطاع أن يعبر هذه المرحلة إلى بر الأمان بكل قوة وثبات بالرغم من فقدان العديد من القادة الذين تم الإعتداء عليهم من قبل العدو الصهيوني».
وختم حمدان: «نحن نحمل تحيات دولة الرئيس الأخ الأستاذ نبيه بري، وتحيات اخواننا في حركة أمل لسعادة القائم بالأعمال ومن خلاله إلى القائد الإمام السيد علي الخامنئي وإلى قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وشعبها ورجالاتها وأبطالها».
ميدانياً، واصلت إسرائيل تحريك الجبهة الجنوبية، واستهدفت غارة إسرائيلية جرافة «بوبكات» بين برعشيت وشقرا أسفرت عن سقوط شهيد.
كما استهدفت مسيّرة إسرائيلية على المدخل الغربي لبلدة بيت ليف درجة نارية ما أدى إلى سقوط شهيد آخر. وزعمت هيئة البث الإسرائيلية مقتل عنصرين في حزب الله بغارات جوية جنوب لبنان، فيما أعلن جيش الاحتلال أنه قتل قائداً في «قوة الرضوان» وآخر في وحدة المراقبة التابعة لـ«حزب الله» في بيت ليف وبرعشيت.
شهداء للحزب
وصدر عن «المقاومة الإسلامية» البيان الآتي: «بمزيد من الفخر والاعتزاز، تزف المقاومة الإسلامية الشهيد المجاهد علي محمد قاروط من بلدة ميس الجبل في جنوب لبنان، والذي ارتقى شهيداً على طريق القدس متأثراً بجروحه».
وبعد استهداف مسيّرة إسرائيلية منزلاً في حولا قبل أيام، أقدم جيش الاحتلال الإسرائيلي على تفخيخ المنزل وتفجيره بالكامل ورفع لافتة أمام المنزل متهماً صاحبه الشهيد أحمد غازي علي بأنه كان يعمل في المنزل لصالح «حزب الله» وعرّض سكان حولا وأملاكهم للخطر.
إلى ذلك، أطلق موقع الرادار الإسرائيلي رشقات رشاشة غزيرة في اتجاه أطراف بلدة شبعا. ونفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيراً في محيط جبل بلاط لجهة الأراضي المحتلة، قبالة بلدتي مروحين وراميا في القطاع الاوسط.
تزامناً، شيّع «حزب الله» وأهالي بلدة صير الغربية والقرى المجاورة، الشهيد هيثم عبد الله بكري، وولديه محمد هيثم بكري، وعبد الله هيثم بكري، «الذين استهدفوا بغارة إسرائيلية في منطقة كفردجال. وغصّت الشوارع المحيطة بمنزل الشهداء، وازدحمت الطرق بمحبيهم، وارتفعت الأعلام والرايات، ورُددت هتافات: «لبيكِ يا مقاومة… وعلى درب الشهداء سائرون».
وفي 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، شنت إسرائيل عدواناً على لبنان تحول إلى حرب واسعة في 23 سبتمبر/ أيلول 2024، ما أسفر عن أكثر من 4 آلاف قتيل ونحو 17 ألف جريح.
ومنذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، ارتكبت إسرائيل نحو 3 آلاف خرق له، خلّفت ما لا يقل عن 215 شهيداً و508 جرحى، وفق إحصاء لوكالة الأناضول استنادا إلى بيانات رسمية. وفي تحد للاتفاق، نفذ الجيش الإسرائيلي انسحابا جزئيا من جنوب لبنان، بينما يواصل احتلال 5 تلال لبنانية سيطر عليها في الحرب الأخيرة. وتحتل إسرائيل منذ عقود فلسطين وأراض في لبنان وسوريا، وترفض الانسحاب منها وقيام دولة فلسطينية مستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، على حدود ما قبل حرب 1967.
وقد حضرت التطورات في لقاء جمع في بكركي البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي وسفير فرنسا هيرفي ماغرو، وكانت مناسبة لتأكيد دعم فرنسا للبنان ووقوفها إلى جانبه من خلال المؤتمر المُرتقب لتقديم الهبات المالية.
مؤتمر جنبلاط
في الموازاة، عقد الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط مؤتمراً صحافياً، في كليمنصو بحضور نجله النائب تيمور وكشف فيه عن تسليم الجيش اللبناني قبل 3 أسابيع بعد محادثاته مع الرئيس جوزف عون سلاحاً خفيفاً ومتوسطاً ومضادات تم تجميعها في المختارة بعد أحداث 7 أيار/مايو بين «حزب الله» والحزب التقدمي الاشتراكي.
وفي موقف حازم، قال جنبلاط «كل السلاح يجب أن يكون بيد الدولة، وإذا كان هناك حزب لبناني أو غير لبناني يملك السلاح، أتمنى تسليمه للدولة. فالسلاح الأمضى والأفعل للأجيال المقبلة هو سلاح الذاكرة وأن نورثّهم ذاكرة البطولات للمقاومين الوطنيين والاسلاميين». واضاف «في الجولة اليوم انتصرت إسرائيل والغرب بالتحالف مع امريكا، وإن شاء الله نقدم على مستقبل جديد، وعلينا ألا ننسى بطولات أجدانا وآبائنا في مقاومة إسرائيل وعملاء إسرائيل, قد نقدم غداً على التطبيع وقد يحمل التاريخ في طيّاته كتابات مختلفة عن التاريخ الذي نعرفه وسيخفي كل البطولات».
وأكد «أن تسليمه السلاح هو رسالة مني ومن قبل تيمور للجميع من دون استثناء، آخذين بعين الاعتبار وجود أبواق اعلامية ينهالون يومياً على «حزب الله» بتسليم السلاح، وهنا أخالفهم ليس بهذه الطريقة نخاطب الحزب والطائفة الشيعية ونعالج الموضوع. أما الفلسطيني فلا بد من إعطائه الحقوق كاملة وكفى معاملته بطريقة العزل ويجب احتواؤه».
وسئل ماذا لو رفضت ايران تسليم سلاح حزب الله؟ فأجاب «نتكلم لبنانياً ومحلياً، علينا تقوية الجيش وقوى الامن الداخلي، ويبدو أن بعض المحللين ينسنون أنه مازال هناك احتلال إسرائيلي وقرى مجروفة ومدمرة»، ناقلاً عن الموفد الأمريكي توم براك دعوته «لتطبيق الاتفاقات والقرار 1701».
وعن اشتراط صديقه الرئيس بري تسليم السلاح بعد الانسحاب الإسرائيلي، قال جنبلاط «الرئيس بري حليفي وصديقي، ولكن هذا السلاح لن يقدم ولن يؤخر في موضوع الانسحاب الإسرائيلي من لبنان».
وعن تحرير مزارع شبعا، قال «مزارع شبعا كانت وستبقى سورية إلى أن نرسّم سوياً مع سوريا»، مستحضراً ما جرى على طاولة الحوار بحضور السيد حسن نصرالله بضرورة تحديد هوية المزارع «فاذا كانت لبنانية وليست سورية نذهب إلى الأمم المتحدة لتثبيتها، انما المزارع هي تحت القرار 242 الذي صدر عن الأمم المتحدة عام 1967 وهي أراضٍ سورية احتلتها إسرائيل، أما جبل الشيخ المحتل من إسرائيل قسم منه أراضٍ سورية وقسم آخر أراضٍ لبنانية».
سعد الياس- القدس العربي


