الهدف أبعد من النووي: لماذا إيران تحديداً؟؟

في عالم تسوده معادلات الردع النووي والتوازنات الاستراتيجية الدقيقة، تملك تسع دول أسلحة نووية: الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا، الهند، باكستان، كوريا الشمالية، وإسرائيل (الأخيرة بصورة غير معلنة رسمياً). لكن هذه الدول، لا تُلاحَق بالصواريخ والتهديدات بينما تلاحق إيران غير النووية. والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: لماذا إيران تحديداً؟ لماذا هذه الحرب السياسية والأمنية التي تقودها إسرائيل وتشاركها فيها الولايات المتحدة، بينما تُترك دول أخرى – أكثر خطورة وربما عدوانية – من دون تدخل فيها؟

لفهم هذا التناقض، لا بد من الوقوف على طبيعة العلاقات بين هذه الدول النووية والولايات المتحدة. روسيا والصين، قوتان عظميان، لا يمكن الدخول معهما في مواجهة عسكرية من دون التسبب في كارثة عالمية. المعادلة واضحة: الكلفة لا تُحتمل. أما باكستان وكوريا الشمالية، فهما دولتان معاديتان في الخطاب السياسي الأميركي، لكن لم تحاول واشنطن تدمير برامجهما النووية، بل بالكاد تلوّح بعقوبات أو تطلق تصريحات قلقة. السبب؟ سلاح الردع نفسه. مجرّد امتلاك السلاح النووي يمنح الدولة المعنية حصانة ضد “حروب تغيير النظام”. وهنا تتجلّى المفارقة: من يسعى الى الحصول على القنبلة، يُحاصر، ومن يملكها، يُترك وشأنه.

هذا ما عبّر عنه الاعلامي الأميركي الساخر جون ستيوارت عندما سخر من الهوس الأميركي والاسرائيلي ببرنامج إيران النووي، مستعرضاً مقاطع قديمة لبنيامين نتنياهو منذ العام 2012، يحذّر فيها من أن إيران “على بعد أشهر” من إنتاج القنبلة. ولكن بعد مرور أكثر من عقد، لا قنبلة ظهرت، ولا ايران تحوّلت إلى كوريا شمالية ثانية. تكرار الإنذارات وتضارب التقديرات جعلا الكثيرين يعتبرون أن كل ما في الأمر هو “بروباغندا الخوف”، وسيلة لتبرير الحصار والضربات العسكرية تحت غطاء “أمن إسرائيل”.

مصادر من محور المقاومة توضح أن المسألة ليست مجرد طموح نووي. إيران، وفقاً لهذه الرؤية، قد تكون بالفعل رفعت نسبة تخصيب اليورانيوم بعد سلسلة النكسات التي تعرض لها حلفاؤها في غزة ولبنان وسوريا، لكنها لا تسعى إلى استخدام هذا السلاح، بل إلى امتلاك القدرة الرادعة التي تمنع سقوط النظام من الخارج، كما حصل مع العراق أو ليبيا.

أكثر ما يخيف إسرائيل، بحسب هذه المصادر، ليس القنبلة بحد ذاتها، بل اللحظة التي تمتلك فيها إيران القدرة على صنعها وتقرر – سياسياً – عدم استخدامها. لحظة التوازن، لحظة يصبح فيها ضرب إيران مكلفاً ومحفوفاً بمخاطر ردّ مدمّر. لهذا تسابق إسرائيل الزمن، وتستغل انهيار النظام السوري – الباحة الخلفية لإيران في الشرق الأوسط – لمحاولة كسر محور المقاومة قبل أن يُعاد ترميمه. فـ “حماس” تعرضت لأقسى الضربات، و”حزب الله” استُنزف في لبنان، لكن كان يمكن استعادتهما لو بقي الشريان السوري مفتوحاً.

ضمن هذا السياق، تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي فكرة ساخرة تحولت إلى “ميم شعبي:

– لماذا تهاجمون إيران؟

*لأنها تسعى إلى امتلاك سلاح دمار شامل.

– ولماذا لا تهاجمون كوريا الشمالية؟

*هل أنت مجنون؟ إنها تملك سلاح دمار شامل!

تلك النكتة تلخّص المعادلة كلها: الخطر ليس في من يملك السلاح، بل في من لم يمتلكه بعد. وهنا تحديداً تبدأ المأساة: فبدل أن يكون العالم حريصاً على منع الانتشار النووي عبر العدالة الديبلوماسية، يتحول السلاح النووي إلى صك أمان، ومن لا يمتلكه، يصبح فريسة مشروعة.

ولذلك، فإن الهجوم على إيران، ليس لحماية العالم من قنبلة نووية، بل لمنعها من امتلاك “حصانة الردع” التي تجعلها لاعباً إقليمياً متماسكاً. إسرائيل تعرف ذلك، وواشنطن تتواطأ معها، أما إيران، فربما تصمد… وربما لا، لكنّ العالم سيكون هو الخاسر الأكبر إن دخلنا في زمن حرب لا تردعها القنابل، بل تغذيها الأوهام.

محمد شمس الدين- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة