أورتاغوس ضحية حرب تحرير إدارة ترامب من إسرائيل…ولبنان “مصيّف”!

قيل الكثير عن عزل الأميركية مورغان أورتاغوس من منصبها كمبعوثة ديبلوماسية إلى لبنان، واجتهد البعض، وخصوصاً من الممانعين، في تفسير هذا القرار على أنه تدبير تأديبي بسبب أداء أورتاغوس، التي خرجت عن اللغة الديبلوماسية في لبنان عبر تصريحها بأن “حزب الله” هُزم أمام إسرائيل ويجب أن يسلّم سلاحه إلى الدولة اللبنانية.

لكن في الواقع، لا علاقة مباشرة لأداء أورتاغوس في لبنان بما يحدث في أروقة الادارة الأميركية من تدابير إدارية ذات أبعاد سياسية، تتعلق بتحولات عميقة في سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إسرائيل تحت قيادة بنيامين نتنياهو. ويبدو أن الخلاف المستحكم بين الرجلين ألقى بظلاله على السياسة الأميركية، خصوصاً في ما يتعلق بصنع القرار الاستراتيجي.

بات من المعروف أن فلسفة ترامب السياسية تقوم على شعار “أميركا أولاً”، وهو لم يعد مجرد شعار بل أصبح نهجاً استراتيجياً ينعكس على السياسة الخارجية الأميركية. ومن النادر أن تتعارض مصالح واشنطن وتل أبيب، خصوصاً في ما يتعلّق بالتعامل مع إيران، والمفاوضات النووية، وسبل حلّ الأزمة بالطرق السلمية أو العسكرية.

لا شك في أن إسرائيل، وفق نهج نتنياهو، تفضّل الخيار العسكري وتروّج له بكثافة. ويعلم الجميع أن هناك ديبلوماسيين أميركيين محسوبين على إسرائيل، بل يعملون لمصلحتها داخل الادارة الأميركية، وهو أمر له جذور تاريخية، إلا أنه بدأ يؤثر في سياسة ترامب الخارجية. فالرئيس، وفق شخصيته، لا يقبل بأن يتقاسم القرار مع أحد، ولا يريد أن يكون القرار الاستراتيجي للولايات المتحدة في يد إسرائيل. وهو يعتمد في سياسته على مبدأ الصفقات، الذي يتقنه كرجل أعمال. ومن هذا المنطلق، باتت إسرائيل، كما يراها نتنياهو، تُزعج ترامب، وهو ما انعكس في مواقف ديبلوماسيين محسوبين على إسرائيل وأدائهم داخل الادارة، فكان لا بد من “عملية جراحية” بدأت فعلياً، وطالت عدداً من الديبلوماسيين والموظفين الذين أصبحت أسماؤهم متداولة في الاعلام. وقد شبّه نائب أميركي سابق من أصل لبناني هذه العملية بـ”حرب تحرير ترامبية” ضد النفوذ الاسرائيلي داخل الادارة.

تشير المعطيات المتوافرة من واشنطن إلى أن الإقصاء شمل أسماء بارزة في مجلس الأمن القومي، أبرزها: إريك تراغر، ميراف سيرين ومورغان أورتاغوس. وسبقت ذلك إقالة مستشار الأمن القومي السابق مايك والتز بسبب تنسيقه مع نتنياهو حول ضربة استباقية محتملة ضد إيران – من دون موافقة البيت الأبيض! ومع ذلك، أُعيد تعيين والتز بهدوء سفيراً للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة.

ويلفت النائب الأميركي السابق إلى أن التدبير بحق أورتاغوس، التي لا تزال في منصبها حتى الآن، لا يرتبط بمواقفها في لبنان وحسب، بل يتّهمها ترامب بتقويض الأهداف الاستراتيجية الأميركية الأوسع لمصلحة إسرائيل. ويُوضح أن “هذه الاستراتيجية اليوم ترتكز أكثر على الديبلوماسية والأولويات الاقتصادية في الشرق الأوسط، وتتضمّن خطوات لتخفيف العقوبات على سوريا والتفاوض مع إيران”.

ووفق المعلومات، فإن ترامب يسعى إلى استبدال المسؤولين المؤيدين للخيار الاسرائيلي بضرب إيران، بديبلوماسيين أكثر انسجاماً مع موقف نائبه جيه دي فانس، المناهض للتدخل العسكري، في محاولة لإعادة تأكيد سيطرة البيت الأبيض على سياسة الشرق الأوسط، والحد من نفوذ إسرائيل في صنع القرار الأميركي.

وكان من البديهي، وفق منطق ترامب، أن تشمل الاجراءات أورتاغوس، كونها مؤيدة قوية لإسرائيل وشخصية محورية في الدفع نحو نزع سلاح “الحزب” في لبنان. إلا أن رحيلها يأتي وسط موجة من التغييرات في مجلس الأمن القومي الأميركي، الذي سيخفض عدد موظفيه إلى النصف، وسيقتصر على الموالين للرئيس فقط.

ويشير النائب الأميركي من أصل لبناني إلى أن مواقف أورتاغوس أزعجت رئيسها ستيف ويتكوف في المقام الأول، وهو يقود المفاوضات النووية مع إيران. أما توجه الادارة الأميركية في ما يخص لبنان، فهو حصر الاهتمام بالسفير الجديد ميشال عيسى، وهو ما فُهم من بعض الباحثين في الشأن الأميركي-اللبناني كتراجع في اهتمام ترامب بلبنان حالياً، ما انعكس فتوراً في تعامل السلطات الرسمية مع ملف نزع سلاح “الحزب”.

يمكن القول إن الوضع السياسي في لبنان “مصيّف” حالياً، إلا أن الصراع بين ترامب ونتنياهو سيكون محتدماً. فقد وجّه الأول “لكمات” قوية إلى الثاني في محطات عدّة، أبرزها حين توصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن لحماية السفن الحربية الأميركية والشحن، لكنه لم يمنع الهجمات على إسرائيل. كما أخفى المعلومات عن إسرائيل بشأن مفاوضات سرية مع “حماس” أسفرت عن إطلاق سراح الرهينة الأميركي-الاسرائيلي عيدان ألكسندر، بحيث علمت إسرائيل بالأمر عبر قنواتها الاستخباراتية، وليس من البيت الأبيض.

وتبعت ذلك مفاجآت أخرى؛ فعلى عكس ولايته الأولى، لم يُدرج ترامب إسرائيل ضمن جدول أعماله خلال جولته الاقليمية الأخيرة، مركزاً فقط على الخليج، ما ترك إسرائيل في موقع التهميش. بل أعلن رفع العقوبات عن سوريا، مُفاجئاً نتنياهو الذي طلب منه عدم اتخاذ هذه الخطوة. في المقابل، وسّع نتنياهو الهجوم الاسرائيلي على غزة خلافاً لإرادة ترامب، ويبدو أنه يستعد لنسف المفاوضات الأميركية-الايرانية بهجوم أحادي على المنشآت النووية، ما قد يؤدي إلى فشلها، وعودة سيناريو التعاون العسكري بين واشنطن وتل أبيب لتوجيه ضربة مشتركة.

ومن المتوقع أن يؤثر الوضع الاقليمي، إذا اتخذ منحىً عسكرياً، على لبنان، ما يعيد ملف السلاح إلى الواجهة مجدداً، خصوصاً أن إسرائيل لم تتوقف عن قصف البنية التحتية العسكرية لـ”الحزب”، ولا تزال تستهدف عناصره.

كل شيء وارد في ظلّ شدّ الحبال بين واشنطن وتل أبيب. والعملية التي يقودها ترامب لتحرير إدارته من النفوذ الاسرائيلي مستمرة، ليبقى بمنأى عن تأثيراته. ولهذا، أصبحت أورتاغوس ضحية هذه العملية، ولا يُعرف بعد ما إذا كانت زيارتها المقررة في حزيران لا تزال قائمة. من جهته، تنفّس “الحزب” الصعداء، ولو أن الضغط سيستمر بشكل أو بآخر.

جورج حايك- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة