سكّان شمال إسرائيل عادوا… و”الحزب” من هزيمة إلى أخرى!

كان الأمين العام السابق لـ”حزب الله” حسن نصر الله، قد تحدّى قبل أشهر رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو وفق معادلة: “لا عودة لسكان شمال إسرائيل قبل وقف العدوان على غزة والضفة الغربية المحتلتين”. ولكن، بعد مرور ثمانية أشهر على هذا التصريح، سقطت هذه المعادلة لأسباب عديدة، أبرزها: نجاح إسرائيل في اغتيال نصر الله، خسارة “الحزب” في المواجهة العسكرية واستسلامه من خلال اتفاق وقف إطلاق النار، تدمير معظم قرى الجنوب الحدودية وتهجير سكانها، استمرار الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة والضفة الغربية، وعودة عدد كبير من الاسرائيليين إلى قراهم وبيوتهم في الشمال.

كل هذه المعطيات تؤكد عمق الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها “الحزب”، وانفصال قيادته عن الواقع، واستمراره في اعتماد سياسة الهروب إلى الأمام، والمعادلات الانتحارية، إضافة إلى ممارسة الإنكار بصورة واضحة. والمؤسف أنه لم يتعلّم شيئاً من كل ما جرى، ولا يزال يتنقّل من هزيمة إلى أخرى، متمسكاً بسلاح لم يجلب له ولا للبنان سوى الكوارث والدمار وسفك الدماء.

لكن الحقيقة المؤلمة قد لا تُرى إلا عبر “تكبير” المشهد بين جنوب لبنان وشمال إسرائيل، واستعراض نتائج “حرب الإسناد” التي خاضها “الحزب”. وهذا ما توضحه شهادة صحافي كندي زار الحدود اللبنانية-الاسرائيلية واطّلع على أوضاع القرى والبلدات على جانبي الحدود.

الانطباعات التي خرج بها الصحافي الكندي من الجانب الاسرائيلي تعكس جدّية الجيش الاسرائيلي في التصدّي لأي نشاط عسكري لـ”الحزب”، إذ تحضّر لذلك جيداً منذ العام 2006، معتبراً أن “الحزب” يشبه فريقاً رياضياً محترفاً بالمقارنة مع “حماس”. ولذلك، سخّرت إسرائيل كل طاقاتها الاستخباراتية والتكنولوجية في مواجهته، وتمكّنت من تحقيق أهدافها بعد القضاء على نصر الله ومعظم المسؤولين من الصف الأول، إلى جانب تصفية القادة الميدانيين لقوة “الرضوان”.

ورأى الصحافي أن “الحزب” الآن مهزوم بنسبة 80%، بعدما دُفع إلى ما وراء نهر الليطاني بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني الفائت، وأصبح على بعد نحو 27 كيلومتراً من الحدود الاسرائيلية، بحيث لم يعد يشكل تهديداً فعلياً. قيادته منهكة، وقدراته العسكرية مشلولة إلى حد كبير. ويؤكّد: “لم يُهزموا، لكنهم سُحقوا”.

من مشاهداته الميدانية، أشار الصحافي إلى عمليات تمشيط إسرائيلية في جنوب لبنان، وعودة عدد كبير من الاسرائيليين – نحو 60 ألفاً – الذين تم إجلاؤهم من الشمال لأكثر من عام. ومع ذلك، لا تزال إسرائيل تعتبر هذه المنطقة بمثابة منطقة حرب نشطة، وقد أُصيب بعض العرب العرامشة التابعين لدولة إسرائيل خلال الحرب جرّاء صواريخ “الحزب”.

واستنتج الصحافي أن سكان شمال إسرائيل راضون عن أداء الجيش الذي استعاد الأمن لقراهم وبلداتهم، إلا أن إسرائيل تدرك أن الاستقرار الفعلي لن يتحقق إلا بعد خروج “الحزب” بالكامل من المشهد ونزع سلاحه، ليكون الجيش اللبناني الجهة الوحيدة الحاملة للسلاح في لبنان.

مع ذلك، سجّل الصحافي عودة نحو 70% من سكان الشمال، الذين أرادوا أن يعود أبناؤهم إلى المدارس، في حين لم تعد العائلات التي لديها أطفال صغار، ولا تزال دور الحضانة مغلقة. ويبدو أن الحكومة الاسرائيلية تكفّلت بترميم عدد كبير من المنازل المتضررة أو إصلاحه. ولاحظ الصحافي الكندي أن القرى والبلدات في الجانب اللبناني ليست في وضع مماثل، بل إن حجم الدمار في لبنان يفوق بأضعاف ما حصل في إسرائيل، والدليل ما تعرّضت له بلدة كفركلا اللبنانية خلال هجوم إسرائيلي على “الحزب”، بحيث تحوّلت إلى أنقاض، ويمكن القول إنها مُسِحت عن وجه الأرض، وأصبحت عبارة عن بضعة طرق تتخللها أكوام من الصخور وخطوط مبهمة لما كانت منازل في السابق.

ولا تختلف أوضاع قرى وبلدات أخرى على الحدود الجنوبية عن وضع كفركلا، فهي مدمّرة بالكامل. وقد شهدت مناطق الجنوب خلال الحرب موجة نزوح كبيرة لحوالي مليون شخص، ولا يزال ما لا يقل عن 100 ألف منهم نازحين، بحسب الأمم المتحدة.

واللافت أن همّين أساسيين يشغلان سكان الجنوب: الأول هو عدم توافر التمويل لإعادة الإعمار، وخصوصاً أن الدول العربية والخليجية والأوروبية والولايات المتحدة الأميركية تشترط نزع سلاح “الحزب” قبل فتح خزائنها للتمويل، والثاني هو استمرار العمليات العسكرية الاسرائيلية ضد أهداف لـ”الحزب”، والخوف من تجدّد الحرب في ظلّ تعنّت الأخير في رفض تسليم سلاحه.

لذلك، يرى الصحافي الكندي أن العديد من القرى الحدودية لا يزال مهجوراً. بعض السكان يتسلل إليها لجمع أمتعته أو محاولة إصلاح منازله. ويُقِرّ بأن الجيش الاسرائيلي لا يزال متمركزاً في خمس تلال استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية، بهدف إنشاء منطقة عازلة، ومنع عناصر “الحزب” من الاقتراب من الحدود أو مهاجمة قرى وبلدات شمال إسرائيل. وبالتالي، لن يتمكن سكان الجنوب من العودة إلى هذه المناطق طالما أن إسرائيل تشترط نزع سلاح “الحزب” قبل الانسحاب منها.

جورج حايك- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة