عقل الثنائي الانتخابي: رقم غير مسبوق في العاصمة وبرود شبه تام في زحلة.. و“شؤون روما لروما” في بعلبك!

في مشهد انتخابي حمل الكثير من الدلالات، قفز عدد المقترعين المؤيدين للثنائي الشيعي في العاصمة بيروت من بضعة آلاف عام 2016 إلى أكثر من 18 ألفاً في انتخابات هذا العام. رقم غير مسبوق في تاريخ مشاركة الثنائي في الانتخابات البلدية في العاصمة، فتح الباب أمام قراءة أوسع لحركة “حزب الله” وحركة “أمل” على رقعة البلديات، لا سيما في ظلّ تغيّر موازين القوى المحلية، وغياب الضمانات التقليدية التي كانت تؤمّن للثنائي تمثيله.

ففي بيروت، التي لطالما نظر إليها الثنائي كمساحة سياسية مؤمّنة في ظلّ نفوذ الحريرية، انقلبت المعادلة. اعتكاف الرئيس سعد الحريري عن الساحة، وانكفاء تياره عن خوض المعركة البلدية، دفع الثنائي إلى تشغيل ماكينته الانتخابية بكامل طاقتها، ليس لضمان التمثيل وحسب، بل لإثبات الوجود في عاصمة كانت خارج دائرة استنفاره سابقاً. هكذا، تحوّلت بيروت فجأة إلى أولوية، ووجدت لائحة ائتلاف الأحزاب المدعومة من الثنائي نفسها على رأس المجلس البلدي، فيما تتحدث مصادر متابعة في العاصمة عن “مباركة ضمنية” من قوى خارجية، أبرزها الولايات المتحدة، التي لا تمانع في استقرار تركيبة بلدية محسوبة على توافق داخلي واسع.

في المقابل، كان لافتاً البرود شبه التام في زحلة. على الرغم من امتلاك الثنائي هناك كتلة ناخبة تفوق 8 آلاف صوت شيعي، غابت الحماسة عن معركة المدينة، ما دفع البعض إلى الجزم بأن “حزب الله” وحركة “أمل” لم يخوضا المعركة فعلياً. فهل تعمّد الثنائي النأي بنفسه عن زحلة لحسابات فوق بلدية؟ هل خشي كسر التفاهمات الضمنية مع قوى مسيحية حليفة؟ أم أنه ارتأى أن الربح في زحلة سيكون مكلفاً أكثر من الخسارة الصامتة؟ الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو أن الثنائي ارتضى تمرير الاستحقاق في زحلة تحت مظلة “عدم الاشتباك”، حفاظاً على توازنات دقيقة مع شركائه المسيحيين، وعدم إعطاء خصومه ذخيرة جديدة للطعن في صدقيتهم السياسية.

أما في قضاء بعلبك، فقد اتبع الثنائي استراتيجية واضحة: حيث تكون المواجهة مع معارضين لنهجه السياسي، يُسخّر كل قواه ويدخل المعركة بكل ثقله. أما حين تكون الخصومة داخل البيت الواحد، أي بين عائلات شيعية متنازعة تحت مظلته، فيعتمد مبدأ “شؤون روما لروما”. وهكذا، خيضت معارك في القرى بين “ثقة الثنائي” و”ثقة الثنائي”، وانتهت، كما هو متوقع، بفوز “ثقة الثنائي”.

في مدينة بعلبك نفسها، حاول الثنائي تحقيق حسم شبه كامل، لكن الماكينة لم تُستنفد حتى آخرها، ما يعني أن الحزبَين أرادا فوزاً مريحاً من دون الكشف عن كل أوراقهما. وهذا يعكس توجهاً مدروساً: لا إفراط في القوة حيث لا ضرورة، ولا انسحاب حيث هناك احتمالات تحدٍّ حقيقي.

يمكن القول إن الثنائي الشيعي خاض هذه الانتخابات البلدية بعقل بارد، لكن ببوصلة جديدة. فبيروت صارت ساحة واجبة التموضع، لا مجرد مكسب مضمون عبر الوسطيين. وزحلة تحوّلت إلى منطقة رمادية تُدار بالحساسية لا بالاندفاع. أما بعلبك ومحيطها، فبقيا معقل المواجهات التكتيكية حيث تُمتحن ولاءات العائلات والمجتمعات المحلية.

تلك ليست مجرد معارك بلدية، بل بروفة لحروب سياسية قادمة، تُخاض تحت سقف التمثيل الشعبي، ولكن بخلفيات تتجاوز الصناديق إلى حسابات الاستحقاق النيابي القادم والتوازن الطائفي وتثبيت الوجود أمام الضغط الاقليمي.

محمد شمس الدين- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة