زلزال ترامب… وحده لبنان لم يهتز: الملف اللبناني قضية مؤجلة أو منسية!

هل نبالغ اذا قلنا ان كل ملفات العالم وضعت على طاولة الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستثناء الملف اللبناني الذي بقي عنواناً لفظياً لقضايا جوهرية تحتاج الى حلول جوهرية، لا بل قضية تفقد زخمها تدريجاً وتتحول الى قضية مؤجلة أو منسية في أفضل الأحوال؟

الواقع أن الرئيس جوزاف عون ليس في وارد القيام بخطوات حاسمة على الأرض يمكن أن تفتح الباب أمام العالم الواقف على العتبة منتظراً تأشيرة دخول، ولا الحكومة برئاسة نواف سلام في وارد تأمين غطاء سياسي لمثل هذه الخطوات، ولا “حزب الله” في وارد تسليم سلاحه سواء عبر الحوار أو القتال، ولا ايران في وارد التخلي عن أعتى أوراقها في المنطقة، أي الورقة التي تستطيع بها التضييق على لبنان سياسياً، والضغط على سوريا أمنياً، وعلى اسرائيل عسكرياً، وعلى أميركا تفاوضياً قبل أن تتحرر من العقوبات الأميركية وتحفظ رأسها من أي تجربة عسكرية من الخارج أو أي ثورة من الداخل.

ولا الرئيس ترامب في وارد تولي مهمة نزع السلاح غير الشرعي في لبنان شخصياً، معتبراً أن ما فعله حتى الآن أعطى السلطة اللبنانية فرصة لم تسنح لسواها وأنقذتها من كل الألغام التي كانت تخشى الدوس عليها أي ألغام حسن نصر الله وقادة “حزب الله” اضافة الى بشار الأسد وحركة “حماس”، وأن الوقت حان كي تستغل وحدها هذه الفرصة التي قد تكون الأخيرة.

واسرائيل نفسها ليست أفضل حالاً في هذا المجال، فهي مقتنعة بأن “حزب الله” غير قادر وغير راغب في العودة الى القتال حتى لو وصل الجيش الاسرائيلي الى شواطىء لبنان، وأن العمليات التي ينفذها ضده في الجنوب وضد مخازنه وترساناته في غير مكان، هي بمثابة حرب صغيرة غير مكلفة وغير قابلة للاتساع الا تلبية لقرار أميركي – اسرائيلي موحد لا يبدو وارداً حتى الآن على الأقل.

وتقول مصادر قريبة من الادارة الأميركية، إن لبنان برئاسة جوزاف عون ليس سوريا برئاسة أحمد الشرع، ولا السعودية بقيادة محمد بن سلمان، مشيرة الى أن الرئيس اللبناني لا يملك ثلاثة أمور أساسية وهي أولاً القوة الكافية لحسم أي مواجهة مع “حزب الله” بأقل كلفة ممكنة، وهي ثانياً القرار السياسي الذي يعطي الجيش اللبناني الصلاحيات التي يحتاج اليها في أي معركة داخلية، وهي ثالثاً الثروة الطبيعية التي فقدت زخمها بعدما تمكن الأوروبيون من تجاوز تداعيات الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية – الأوكرانية، وبعدما أسهمت “حرب الاسناد” في تحويل المخزونات البحرية اللبنانية الى ثروات ضائعة أو مؤجلة.

والواقع أن السلطة اللبنانية ومعها الرأي العام اللبناني، لا يريدان الاعتراف بأن العالمين العربي والدولي لا يحتاجان الى الأدمغة اللبنانية التي يتغنيان بها، بقدر ما يحتاجان الى قرارات لبنانية تبسط سلطة الجيش على مستوى البلاد وتمنع الحزب من تهديد أمنهما الأمني من جهة وأمنهما الاقتصادي من جهة ثانية.

ويذهب مصدر ديبلوماسي عربي بعيداً الى حد القول إن جولات الرئيس عون على الدول الغربية على أهميتها، تدخل في خانة العودة اللبنانية الى الحظيرة العربية وليس عودة العرب الى لبنان، مؤكداً أن الرئيس اللبناني سمع في كل من الرياض وأبو ظبي والكويت في الأمس وربما في مصر في الغد، كلاماً موحداً قائماً على جملة واحدة: انزع سلاح “حزب الله” وخذ منا ومن العالم ما تشاء.

ويكشف المصدر أن عون يصر في كل محادثاته على أن مسألة السلاح غير الشرعي مسألة لبنانية يمكن تسويتها عبر الحوار محاولاً تجاوز القرار ١٧٠١، وهو ما يلقى أذناً صاغية لدى محدثيه لكن ليس اقتناعاً راسخاً ولا حتى تفهماً تعاطفياً.

ويضيف ان الرئيس عون والرئيس سلام يراهنان على الدخان الأبيض الذي يمكن أن يخرج من المفاوضات الأميركية – الايرانية في مسقط، ويعتبران أن نجاحها سيثمر أوامر من طهران بتجريد “حزب الله” من سلاحه من دون ضربة كف.

لكن هذا الرهان سقط سريعاً خلال وجود ترامب في الخليج وتحديداً عندما تحدث عن قرار لبناني لا ايراني في ما يتعلق بنزع السلاح، مشيراً الى أن السلطة اللبنانية تملك الآن الفرصة والدعم الدولي والعربي للقيام بذلك، ما يعني عملياً أن واشنطن التي تسعى وراء أموال الخليج في مكان، واتفاق نووي جديد مع ايران في مكان آخر، وأمن اسرائيل في كل مكان، لا تجد في لبنان الا أمراً واحداً: فككوا ألغامكم وضبضبوا سلاحكم واذهبوا الى تطبيع مع اسرائيل اذا أردتم حقاً بناء دولة حرة وقادرة على الاندماج في هذا الشرق الأوسط الجديد والافادة من سلامه وخيراته، واذا أردتم تجنب حرب جديدة تقضي على ما تبقى من بلادكم.

وأكثر من ذلك، يستشف من تصريحات ترامب في الخليج أن موقفه الايجابي من لبنان لن يستمر الى الأبد على الرغم من فاعلية الفريق اللبناني الذي يحيط به، وكأنه أراد أن يقول للرئيسين عون وسلام: أنا اليوم الى جانبكم لكنني غداً قد أكون في مكان آخر لا دور لكم فيه ولا أي أهمية، مشيراً الى أنه لن يمنع اسرائيل من استئناف أي حرب في لبنان متى رأى أن العقوبات التي يفرضها على “حزب الله” لم تؤتِ ثمارها.

وترفض مصادر قريبة من ترامب اعتبار البرودة في العلاقات مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو خلافاً عميقاً يمكن البناء عليه ايرانياً أو فلسطينياً أو حتى عربياً، مشيراً الى أن اسرائيل التي تقدم أمنها على أي أمر آخر تملك ما يكفي من القوة لترفض أي صفقة ملتبسة مع ايران، أو سواها وأي حل في غزة ولبنان واليمن لا يفكك الصواريخ الموجهة نحوها ولا يحل الميليشيات التي تدير الحرب هناك.

وتعرف اسرائيل أن أميركا، على الرغم من قوتها المتفوقة واصرار ترامب على أن يكون زعيماً وحيداً للعالم، لا يمكن أن يصنع أي سلام بين العرب واسرائيل من دون توقيع نتنياهو، ولا يستطيع أن يمرر حل الدولتين من دون التوقيع نفسه الا اذا أراد أن يفعل ذلك بالقوة وهو أمر أقرب الى الجنون منه الى اليقين.

وما تفعله اسرائيل في غزة من خلال كلام على اغتيال محمد السنوار وحصار خانق، وتصفية عناصر “حزب الله” في لبنان، وقصف الحوثيين في اليمن، والتمدد في جنوب سوريا، ليس الا اجابات من نتنياهو تتوخى الظهور بمظهر الابن المتمرد غير المرتهن لأحد.

ويخطئ من يظن أن رفع العقوبات عن سوريا قد وجه ضربة نحو اسرائيل المتوجسة من قيام دولة اسلامية أصولية على حدودها الشمالية، في وقت يرى نتنياهو أن ما جرى يؤشر الى ثلاثة أمور ايجابية: الأول طغيان الدور السعودي على الدور التركي في سوريا، الثاني جنوح أحمد الشرع نحو تطبيع كامل مع الدولة العبرية، والثالث قطع الطريق نهائياً على أي دور لايران في هذه الدولة المجاورة، اضافة الى أمر رابع وهو تفكيك الهلال الايراني الممتد من طهران الى البحر المتوسط نهائياً.

أضف الى ذلك، أن ترامب الذي يوحي بأنه يسيطر على اندفاعات نتنياهو الجنونية، يعرف في قرارة نفسه أنه يتشارك معه في هواجس عدة وأنه لا يستطيع ارضاء ايران على حسابه، ولا الاعتماد على العرب في ما يتعلق بالحرب على الارهاب، ولا الوصول الى تسويات في غزة ولبنان وسوريا واليمن والعراق قبل أن يتأكد من أن أحداً هناك لن يكون قادراً على اطلاق طلقة واحدة في اتجاه تل أبيب.

انه الزلزال الاقتصادي – السياسي – الديبلوماسي الذي أحدثته جولة ترامب على المنطقة، والتحول الذي نقل أميركا من خانة الشريك الخجول في عهد جو بايدن الى خانة العراب المطلق سواء لقرار الحرب أو السلام من آخر زقاق في غزة الى آخر بلدة حدودية في أوكرانيا، ومن آخر تلة في اليمن الى آخر خط حدودي في كشمير، ومن آخر قرش في أميركا الى آخر قرش في الصين، من دون أي ارتدادات مباشرة في لبنان الذي اكتفى بالهزات التي أحدثتها هزة اليونان.

العالم فهم الواقع الذي يواجهه ويعمل على التأقلم معه سواء في موسكو أو بكين أو باريس أو لندن، ويبقى على لبنان الرسمي أن يفهم أن هذه “الثعلبة” في الأمور المصيرية لا تنفع في مواجهة عالم جديد قائم على منطق المال والقوة، وهما أمران لا يملك أي منهما، ولن يحصل على أي منهما ما دام “حزب الله” يؤمن في قرارة نفسه بأنه في موقع آمن ما دامت ايران في موقف آمن حتى الآن، وما دامت اسرائيل مكتفية بما حققته، وما دام ترامب متخماً بالمال العربي، وما دامت السلطة اللبنانية غير مقتنعة بأن الحزب الذي كانت تخافه في الأمس بات قوة جريحة تبحث عمن يضمدها قبل أن تنزف حتى الموت.

انه الزمن الذي يعيد نفسه مرة جديدة، وتحديداً في عهود تتقن التفرج على الفرص وهي تعبر أمامها لتعود غداً الى سلاح البكاء على الأطلال ملقية اللوم اما على سوء حظ الحاكم أو سوء نيات الآخرين.

انه أيضاً زمن الخروج من المنطقة الرمادية واختيار اللجوء تماماً الى واحدة من ثلاث قوى، اما القوة الأميركية كما فعل الخليج واما القوة السعودية كما فعل أحمد الشرع واما القوة الايرانية كما يفعل لبنان من خلال “حزب الله”.

انطوني جعجع- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة